
مسكت سلمى الدفتر، فتحت أول صفحة، وبصت للسطور المكتوبة بخط إيد راشد التقيل. بدأت تقرأ الأرقام وتراجعها بعينيها، وفي ثواني، صباعها وقف عند خانة معينة، رفعت عينيها وقالت بنبرة ذكية:
“تُجار المواشي محتسبين عليك نسبة هالك 5% في الشحن.. النسبة دي كبيرة أوي على المسافة بين هنا وبين مركز التجميع.”
راشد بصلها بذهول، وعينيه لمعت بإعجاب حقيقي، ضحك ضحكة قصيرة واطية.. ضحكة أول مرة تسكت جدران البيت ده من سنين:
“أهو شفتي؟ من أول دقيقة وفرتي عليا اللي العمال ما جابوهوش في سنة!”
في اللحظة دي، اتسمعت خبطات تقيلة وعنيفة على البوابة البرانية، المطر كان شديد، بس الخبط كان فيه غل واضح.
سلمى جسمها اتشد، وبصت ناحية الباب. راشد ملامحه تحولت في ثانية للجمود والهيبة اللي كانت مرعبة لأي حد في البلد. قام وقف بهدوء، وعدّل شاله، وقال بصوت حازم:
“خليكي مكانك يا سلمى.. كملي الشاي بتاعك.”
خرج راشد وفتح باب الدوار. كان واقف عند البوابة معوض العامل، وجنبه راجلين من كبارات البلد، ووراهم واقف عبد الرحمن.. أبو سلمى، ومراته نوال، وداليا أختها لافة شالها على راسها وواقفة بتبص بفضول وحقد.
راشد وقّف على عتبة الباب، ما عزمهومش يدخلوا، وقال بصوت تقيل زي الصخر:
“خير يا عبد الرحمن؟ جايب حريمك وجاي على بوابتي في نص الليل والمطر شغال ليه؟”
عبد الرحمن كان بيفرك إيديه في بعض من الخجل، بس نوال زقت نفسها وقالت بصوت متوتر بتحاول تخليه قوي:
“إحنا جايين نطمن على سلمى يا حاج راشد! الناس في البلد بتاكل وشنا، يقولوا جوازة سلقة بيض! لا شبكة اتلبست قدام الناس، ولا أصول اتعملت، ولا إحنا عارفين بنتنا اتجوزت ولا اتأجرت لحسابات البيت!”
داليا بصلت المزرعة والدوار اللي القناديل منورة فيه بغيره واضحة، وقالت بصوت واطي بس مسموع:
“أيوه.. يعني هي بقت الخدامة الجديدة هنا ولا إيه؟”
قبل ما عبد الرحمن ينطق كلمة، راشد أخد خطوة واحدة لجامة ناحية البوابة، هيبته خلّت نوال ترجع خطوة لورا تلقائياً.
راشد بص لنوال ولداليا بنظرة كفيلة تسكت بلد، وقال بنبرة واطية بس يرن صداها في الشارع كله:
“سلمى مراتي.. ست البيت ده، وكلمتها من كلمتي. الشبكة اللي بتسألي عنها يا مدام نوال، حزام دهب وست غوايش بيتربطوا في معصمها بكرة الصبح قدام شيخ البلد.”
نوال فتحت بقها من الصدمة، وداليا وشها اصفرّ.
كمل راشد وهو بيبص لأبوها مباشر:
“وأما الأصول.. فالأصول إن الست اللي تخرج من بيت ما صانهاش، تدخل بيت يصونها ويشيلها على الراس. سلمى مش محتاجة حد يطمن عليها.. سلمى هي اللي بقت بتطمن على البيت ده كُله.”
وبعدين بص لنوال وقال قاطعة:
“الباب ده ما يتخبطش بالطريقة دي تاني.. بيت المنشاوي له حرمة، ومراتي ليها مقام. اتفضلوا مع السلامة.”
ولف راشد ضهره وقفل البوابة الحديد التقيلة في وشهم، يسيبهم واقفين في الطين والمطر، الصدمة شالة ألسنتهم.
دخل راشد الدوار، قفل الباب الخشب، ولف لسلمى اللي كانت واقفة عند الممر، سمعت كل كلمة قالها. عينيها كانت مليانة دموع.. بس مش دموع قهر، كانت دموع رد الاعتبار.
قرب منها راشد، وقف قصادها بوقار، وقال بهدوء:
“الحسابات خلصت يا سلمى؟”
سلمى مسحت طرف عينها بسرعة، وابتسمت ابتسامة صافية، وعينها بثبات في عينه:
“خلصت يا حاج.. ومن بكرة، الدفاتر كلها هتتظبط.”
مرت كام شهر على الجوازة دي، والبيت القديم اللي كان فاضي بقى فيه روح وحياة. الشمس كانت طالعة دافية في نهار يوم شتوي هادي، وصوت عصافير الجنينة داخل من شبابيك الأوضة الكبيرة.
سلمى كانت قاعدة على السفرة النحاس، قدامها دفاتر الحسابات، وفي إيدها القلم. شكلها اتغير تماماً؛ هدوء وثقة في ملامحها، وشال حرير خفيف على كتفها، وفي إيدها لمعة الذهب اللي جابوهولها من المركز.
أم صابر دخلت الصالة وفي إيدها صينية عليها فطير مشلتت دافي وعسل، حطتها بابتسامة صافية:
* “تسلم إيديكي يا ست سلمى، الحسابات بتاعة التاجر اللي جه الصبح طلعت مظبوطة بالميعاد، الحاج راشد كان طاير بيكي من الفرحة وهو طالع المزرعة.”
سلمى ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتقلّب الصفحة:
* “الحمد لله يا أم صابر.. المكان هنا فيه خير كتير، بس كان محتاج شوية تنظيم مش أكثر.”
في اللحظة دي، اتسمع صوت خبط خفيف ومتحدد على البوابة البرانية. معوض فتح، ودخلت نوال ومعاها داليا.
المرادي ما كانوش داخلين بعصبية أو بقلة قيمة زي المرة اللي فاتت. نوال كانت ماشية بتتلفت حواليها بذهول، عينيها بتاكل النظافة والترتيب اللي بقى في الدوار، وشجر الموالح اللي تقلم وتظبط، والدفء اللي مالي المكان. وداليا كانت ماشية وراها بكسرة عين حقيقية، أخيرًا استوعبوا إن سلمى مش راجعة، وإن المكان ده بقى ملكها.
سلمى رفعت عينها من على الدفتر. ما قامتش تجري، ولا اتوترت. فضلت قاعدة بمقامها، وشاورت لأم صابر بهدوء:
* “هاتي كباية شاي للضيوف يا أم صابر.”
نوال قربت بخطوات متسلسلة، وقعدت على طرف الكرسي بتودد مصطنع وصوت حنين غريب:
* “إزيك يا سلمى يا بنتي؟ قلبي كان أكلني عليكي، قلت أجي أطمن عليكي بنفسي ونشوف احتياجاتك.”
سلمى بصلتها بنظرة هادية جداً، مفيهاش أي غل، بس فيها مسافة أطول من السكة بين بيت أبوها والمزرعة:
* “الحمد لله يا مرات أبويا.. أنا في خير ونعمة، والحاج راشد مش مخلي بيته محتاج حاجة.”
داليا قعدت جنب أمها، بصت لإيد سلمى وللغوايش الدهب، وقالت بنبرة خافتة خالية من السخرية بتاعة زمان:
* “البيت بقى شكله حلو أوي يا سلمى.. الناس في البلد كلها مبقاش حيلتهم غير الكلام عن شطارتك في حسابات المزرعة، وعن هيبة الحاج راشد وهو بيمشي كلامك قدام الكل.”
سلمى حطت القلم على الدفتر، وبصت لداليا مستقيمة:
* “عشان الراجل الأصيل لما بيدي الأمان لست، بيخليها تقف على حيلها.. مش بيكسرها يا داليا.”
الكلام نزل على نوال وداليا زي المية الساقعة. نوال بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تغير الموضوع:
* “أصل أبوكي عبد الرحمن رجله تعبانة شوية، وكان يتمنى يزورك بس…”
قبل ما تكمل جملتها، اتفتح باب الدوار الخشب.
دخل راشد. هيئته العريضة وجلابيته الكحلي النظيفة وهيبته المعتادة ملأت المكان. أول ما شافهم واقفين، خطواته تهادت. بص لنوال ولداليا بنظرة واحدة جافة، وبعدين تحولت عينه فوراً لسلمى، والجمود اللي في وشه اتفك لراحة ودفء حقيقي.
قرب راشد من السفرة، حط إيده على حرف الدفتر اللي قدام سلمى، وقال بنبرة واضحة سمعت الكل:
* “صباح الخير يا ست البيت.”
سلمى رفعت عينها وابتسمت له:
* “صباح النور يا حاج.. نورت البيت.”
راشد بص لنوال وقال بجفاف ومقام عالي:
* “أهلاً يا مدام نوال.. عبد الرحمن عامل إيه؟”
نوال قامت وقفت بسرعة بتوتر:
* “الحمد لله يا حاج راشد.. إحنا كنا مجرد بنطمن على سلمى وماشين على طول.”
راشد هز راسه هزّة خفيفة من غير ما يعزم عليهم يقعدوا:
* “سلمى في بيتها وفي حمايا، وتطمنوا عليها في أي وقت.. بس الأصول تقول إن الست لما تتقدر في بيت راجلها، كلام القيل والقال يتقفل للأبد.”
نوال هزت راسها بسرعة:
* “معلوم يا حاج.. الأصول عارفينها.”
طرد أنيق وغير مباشر، بس خلى نوال وداليا يلموا كرامتهم ويخرجوا بخطوات سريعة من البوابة، وهم شايفين سلمى قاعدة جنب راشد، إيدها في إيده، والصورة اللي حاولوا يكسروها سنتين.. بقت هي أصل القوة والستر في البلد كلها.
أول ما الباب اتقفل، راشد سحب الكرسي وقعد جنب سلمى، بص للدفتر وبعدين بص لعينها:
* “تعبوكي؟”
سلمى هزت راسها بنفي وهي بتحط إيدها على إيده الخشنة:
* “مفيش حاجة تقنياريد توليد صورة تعبر عن الاحداث في البارت دا تكون صورة واضحة وعالية الجودة
مقاس صورة
1080 × 1080 بكسل
نسبة العرض: 1:1
“مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش ؟ دي حتى لو اتجوزت الراجل هيكون عايز منها إيه؟”
قالت مرات أبويا الجملة دي وأنا قاعدة على بُعد كام خطوة منها.
ولا حتى حاولت توطي صوتها.
هي عمرها ما كانت بتوطي صوتها لما يكون قصدها تجرحني.
كان الجو بره شتا، والمطر بيخبط جامد على إزاز شبابيك البيت القديم في قرية صغيرة على أطراف المنوفية، والهواء كان بيزق في الشبابيك الخشب لدرجة إن الإزاز كان بيرتعش.
وأنا كنت قاعدة في هدوء بخيط هدومي.
غرزة.
وبعدها غرزة تانية.
كل ما عيني تفضل على الإبرة، كل ما أقدر أتجنب إني أبص في وش مرات أبويا.
اسمي كان “سلمى عبد الرحمن”.
عندي أربعة وعشرين سنة، وأرملة من سنتين، وبالنسبة لمعظم أهل البلد، حياتي كانت انتهت من يوم ما جوزي مات.
جوزي الأول، “حسام”، مات في حادثة وهو راجع من الأرض.
اتجوزنا سنة وأربع شهور بس.
وماخلفناش.
وده بالنسبة لعيلته كان كفاية جدًا عشان يحكموا عليّا.
بعد جنازته بحوالي تلات أسابيع، أمه قالتلي بمنتهى البرود:
“الست المحترمة لازم تسيب وراها عيل.”
وإخواته أخدوا البيت، بحجة إنه ملك للعيلة من زمان.
رجعت بيت أبويا وأنا شايلة شنطتين بس، ومعاهم سمعة أنا عمري ما استاهلتها.
عاقر.
ناشفة.
منحوسة.
ما بتخلفش.
كلام الناس في البلاد الصغيرة بيمشي أسرع من الحقيقة.
وأختي من مرات أبويا، “داليا”، كانت واقفة جنب الشباك يومها، لابسة فستان جديد لونه أخضر.
بصتلي وابتسمت ابتسامة مستفزة.
وقالت:
“حتى الراجل الغلبان نفسه في حتة عيل يخلفه.”
أبويا قال بصوت ضعيف:
“داليا… خلاص.”
لفتله وقالت:
“خلاص إيه؟ أنا بقول الحقيقة.”
أبويا، “عبد الرحمن”، نزل عينه في الأرض.
وده كان كل دفاعه عني.
يبص في الأرض.
يقول كلمتين مترددين.
وبعدين يسكت.




