منوعات

كنت مستخبية تحت ترابيزة الراجل اللي منه حكايات انجى الخطيب

وقفت أراقب العربية وهي بتبعد وسط غبار الطريق الترابي وشجر الكافور، وأنا ضامة الشنطة الحرير لصدري.. حاسة إن الخوف طار، وإن السر اللي كان مستخبي تحت الترابيزة، بقى بداية لحياة جديدة كاملة.

عدى شهرين على الليلة دي.
شهرين كانت الدنيا فيهم بتقلب كل حاجة رأسًا على عقب. البلاغ اللي اترفع ضد فؤاد وسهير فتح ملفات قديمة كشفت اللعبة كلها، وفؤاد اللي كان بيمشي بين الناس يتباهى بفلوسه، بقى محبوس على ذمة قضية تزوير واستيلاء، وسهير اختفت في مكان محدش يعرفه بعد ما اترفعت عليها قضية تبديد وحجر.
النهارده، شمس العصاري كانت ناعمة وبترمى جلود ذهبية على شباك أوضتي القديمة في المنوفية.
كنت واقفة قدام المراية، لابس الفستان الأزرق… نفس الفستان الأزرق اللي استخبيت بيه تحت الترابيزة، بس المرة دي كان مفروش عليه طرحة بيضاء مطرزة بنسيج خفيف شبه الشنطة الحرير.
الشنطة الحرير كانت محطوطة على التسريحة جنبي، مفتوحة، وجواها الرسمة الأربعة بتاعة أمي، بس جنبها كان فيه ورقة جديدة… عقد ملكية الأرض الأصلي المتسجل باسمي وباسم بابا، ومعاه ورقة ثانية باللون الوردي.
صوت عربيات كان بيقرب في الشارع الترابي، وصوت زغاريد الدادة أمينة كان ملعلع في صالة البيت تحت.
جريت على الشباك وبصيت من بين الستارة.
عربية سودا كبيرة وقفت قدام البوابة، ونزل منها سليم. كان لابس بدلة كحلي شيك جداً، وبوكيه ورد أبيض في إيده. أول ما نزل من العربية، رفع وشه ناحية شباك أوضتي، عينيه الرمادي قابلت عيني وابتسم نفس الابتسامة الهادية اللي ثبتت قلبي في أصعب ليلة في حياتي.
فتحت باب الأوضة ونزلت السلم خطوة خطوة، وبابا كان واقف تحت مستنيني، ماسك عصايته بإيد، والإيد الثانية مدها ليا وهو عينه مدمعة من الفرحة.
“مبروك يا عروسة..” بابا قالها بصوت واطي ودافي.
أول ما وصلت آخر السلم، سليم خطى جوة الصالة. قرب مني، وبص في عيني بمنتهى الجدية والدفء اللي في الدنيا، ومد لي إيده: “جهزتِ؟”
بصيت له وابتسمت: “جاهزة من زمان يا سليم.”
سليم سحب من جيب بدلتك الكارت الصغير اللي كان جوة شنطة أمي، ووضعه في إيدي وهو بيميل على ودني بيهمس بصوت خفيف: “طرف الفستان الأزرق المرة دي مش محتاج يستخبى تحت أي ترابيزة.”
ضحكت من قلبي، ضحكة حقيقية صافية لأول مرة من سنين. مسكت إيده وقفلنا باب الخوف وراينا، وأنا عارفة إن السر اللي بدأ تحت ترابيزة في نص الليل، بقى هو البداية الحقيقية لحياة مليانة أمان وحب.

تمت

حكايات انجى الخطيب

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى