
من اليوم ده، بدأت رحلة العلاج. أخدت ليان واستشارية نفسية للأطفال، وبدأنا نشتغل على إعادة الثقة والأمان. بدأت أتعلم إزاي أكون أب بجد، مش مجرد مصدر للفلوس والألعاب.
رجعت فتحت دولاب سارة الله يرحمها. طلعت صورها، وحطيتها في الصالة بعد ما نادين كانت شايلاهم ومخبياهم. قعدت مع ليان وياسين، وبقيت أحكيلهم عن أمهم، إزاي كانت بتضحك، وإزاي كانت بتحبهم.
ليان بدأت تبتسم تاني، وضحكتها اللي كانت اختفت رجعت تملى البيت. ودراعاتها طابت وما بقاش ليها أي أثر للحروق.
وبعد ست شهور، كنت قاعد في جنينة البيت بالليل، ياسين كان بيلعب بالكورة على النجيل، وليان كانت قاعدة جنبي بتلون في كراستها.
التلفون رن، كان مدير مكتبي في الشركة بيستأذن في صفقات جديدة ومحتاج إمضتي.
بصيت للتلفون، وبصيت لـ ليان اللي رفعت رأسها وقالتلي: «شفت يا بابا؟ أنا لونات الوردة باللون الأحمر زي ما ماما سارة كانت بتحب!»
بتسمت، ومسكت التلفون وقلت لمدير مكتبي: «خلص كل حاجة إنت، وأنا هعدي عليك ساعة واحدة بكرة الصبح… وقتي هنا أهم.»
قفلت الخط، وبصيت لولادي. لأول مرة من يوم وفاة سارة، حسيت إن البيت ده أخيرًا بقى فيه روح… وإن الأمان اللي ضاع منا، رجعنا بنيناه بأيدينا من جديد.
عدت الأيام، والحياة بدأت تاخد شكلها الطبيعي اللي اتحرمنا منه. شركتي ما انهارتش زي ما كنت خايف لما قللت ساعات شغلي؛ بالعكس، لما رجعت للمكتب بقيت أركز في القرارات الكبيرة وأسيب التفاصيل لمديرين الإدارات، وكأن غيابي عن البيت زمان ما كانش غير حجة بهرب بيها من حزني على سارة.
في يوم جمعة، والشمس مالية الشقة، كنت قاعد في الصالة بنضف العاب ياسين، والتليفون رن برقم غريب.
رديت بالراحة: «ألو؟»
جالي صوت هادي بس كان فيه نبرة توتر مألوفة: «كريم… أنا نادين.»
جسمي اتشد في ثانية، بس مسكت نفسي. بصيت على ليان اللي كانت بتلعب بالصلصال بعيد، وقلت بصوت جاف: «عايزة إيه يا نادين؟»
قالت وهي بتحاول تطري صوتها: «أنا بتصل أطمن على الولاد… أنا بقالي ست شهور محروق قلبي عليهم، وما كنش قصدي اللي حصل، إنت فاهم إني كنت مضغوطة وكان—»
قطعت كلامها بصوت حاسم مش بيقبل النقاش: «نادين، المكالمة دي تتقفل دلوقتي. إنتي مالكيش أي وجود في حياتنا تاني. التسجيلات وتقرير الدكتور محمود لسه معايا، ولو فكرتي مجرد تفكير تقربي من الشارع اللي ساكنين فيه أو تتصلي تاني، الشكوى هتوصل للنيابة في نفس اليوم.»
سكتت لحظة، وبعدين سمعت صوت انفاسها السريعة قبل ما تقفل الخط في وشي.
حطيت التليفون على الترابيزة ونزلت تنهيدة طويلة… بس المرة دي ما كانش فيه أي خوف أو تردد. كنت عارف إني محمي بالقانون وبالحق، والأهم إني بقيت موجود عشان أحمي ولادي.
لفت ليان وبصتلي، وكأنها حست بتغير نبرة صومي، وسألتني ببراءة: «بابا… مين كان بيكلمك؟»
مشيت ناحيتها، قعدت جنبها على الأرض، وابتسمت وأنا ببص في عينيها الصافيين: «ده حد كان بيسأل عن الطريق يا حبيبتي… وغلط في الرقم.»
قالتلي وهي بتديني حتة صلصال حمرا: «طب خد اعمل معايا وردة زي بتاعت ماما سارة.»
أخدت الصلصال منها، وبدأنا نلعب سوا، وصوت ضحك ياسين وهو بيجري ورا الكورة مالك المكان.
لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه جوه بيتي بقى خفيف ونظيف، وإن الأزمة دي رغم قسوتها، كانت السبب اللي صحاني ورجعني لأهم مشروع في حياتي… إني أكون الأب اللي ولادي يستاهلوه.
تمرت السنين، والتغيير اللي حصل في بيتنا ما كانش مجرد فترة وعدت، ده كان أسلوب حياة جديد اتكتب علينا بالخير.
ليان بقى عندها سبع سنين، ودخلت المدرسة. في أول يوم ليها، كنت واقف مع باقي الأمهات والآباء قدام الباب الكبير. كان فيه أب واقف جنبي بيكلم في التليفون بعصبية وبيصرخ في الموظفين بتوعه، وشكلو مرعوب من فكرة إنه ضيع ساعة من وقته عشان يوصل ابنه.
بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية… افتكرت كريم القديم. كريم اللي كان فاكر إن النجاح بيتقاس بأرقام الحسابات في البنوك وعقود المقاولات الضخمة.
وفجأة ليان لفت، ومسكت في إيدي بقوة قبل ما تدخل من البوابة، وبصتلي بعيونها الكبار وقالت: «بابا… هتستناني هنا لما أخلص؟»
نزلت لمستواها، وربطت رباط جزمتها بالراحة وقلت لها: «أنا دايماً هستناكي يا ليان… أول ما الباب ده يتفتح، هتلاقيني واقف هنا.»
ابتسمت ابتسامة وسيعة وجريت وهي حاسة بأمان مطلق.
في اليوم ده، أدركت إن أكبر انجاز عملته في حياتي مش المشاريع اللي بنيتها في القاهرة، ولا الصفقات اللي كسبتها. إنجازي الحقيقي كان إن البنت اللي كانت بتخاف تنطق وتترعش من مجرد نقطة مية، بقت طفلة واثقة، بتضحك بصوت عالٍ، وعارفة إن ليها ضهر وسند مش هيتخلى عنها أبداً.
رجعت الشقة، ياسين كان كبر وبقى عنده أربع سنين، بيلعب في الصالة وبيغني أغنية المعهد اللي بيمشي فيه. الشقة اللي كانت زمان مليانة ريحة لافندر وكلور ووتر خفي من الخوف، بقت مليانة بريحة أكل دافي وصوت لعب وضحك.
قعدت على الكنبة، وبصيت لصورة سارة الممتدة على الحيطة. حسيت كأنها بتبتسم لي من ورا الإطار، وكأنها بتقولي: «دلوقتي بس أقدر أرتاح يا كريم… أولادنا في أمان.»
الماضي بكل آلامه، ونادين بكل قسوتها، بقوا مجرد درس قاسي صدى في حياتنا عشان يصحيني من غفلتي. درس علمني إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة… إلا اللحظة اللي طفلك بيحتاج تحسسه فيها إنه أغلى حاجة في دنيتك.
تمت
حكايات انجى الخطيب




