
«رامي.. استهدى بالله.. أنت فاهم غلط.. والله العظيم أنا كنت بحمي حاجتك.. النايب العام كان هيتحفظ على الشركات وأنا الوحيد اللي وقفت وشالـ…»
«سكت!»
رامي صرخ فيها المرة دي بصوت زلزل المكان، صوت طالع من قهر تلات شهور نوم في الضلمة. طلعت الحاجة من جيبه ووجهها في نص وش يوسف.
«الورق المزور في الخزنة فوق.. تسجيلاتك مع الناس اللي كانوا ورا اللي حصل لي على الطريق الصحراوي معايا.. والممرضة اللي بعتها العناية المركزة الليلة دي عشان تخلص عليا.. محبوسة فوق في الأوضة ووقعت على كل حاجة.»
يوسف انهار على ركبه على الأرض، دموعه نزلت وسط الطين اللي في جزمته، وحط إيديه الاثنين فوق رأسه كأنه بيترجى الرحمة.
«اعمل فيّ اللي أنت عايزه يا رامي.. بس بلاش الشرطة.. بلاش القضايا.. أنت عارف الناس اللي ورايا هيعملوا إيه فيّ وفي عيلتي لو الكلام ده اتعرف!»
رامي بص له بقرطسة واحتقار، وبعدها التفت لي. عينيه جات في عيني، وكان فيها نظرة امتنان حقيقية.
«القصة دي مش هتخلص بأذى ولا بدم يا يوسف.. أنا مش زيك. أسلوب فن الحرب بيقول إن أكبر انتصار هو إنك تكسر عدوك من غير ما تضرب طلقة واحدة.»
رامي بص لشريف وقال بصوت قاطع:
«شريف.. اطلب الجهات المختصة.. قولهم “رامي الشافعي” صحي من الغيبوبة.. ومحضر ضبط وإحضار يوسف العادلي والأدلة جاهزة في المزرعة.»
شريف طلعت تليفونه فوراً وبدأ يطلب، ويوسف يصرخ وبيتمسح في جزمة رامي بيترجاه، بس رامي زقه برجله بهدوء، وأخد إيدي في إيده وقادني ناحية السلم عشان نطلع فوق بعيد عن القرف ده.
وقفنا على أول درجة في السلم، وبصلي ونحن بنسمع أصوات السيارات اللي بدأت صوتها يقرّب من بعيد وسط صوت المطر.
«خلاص يا ياسمين.. الليلة الطويلة انتهت.»
ابتسمت له وأنا حاسة إن النبض اللي كان هيقف في العناية المركزة، صحي الليلة دي فينا إحنا الاتنين.
بعد ست شهور من الليلة دي، كانت القاهرة مختلفة تمامًا، والشمس طالعة صافية على كورنيش النيل، مالية المكان دفا وأمل.
المناظر اللي كانت مضللمة في المستشفى بقت مجرد ذكريات قديمة. يوسف والشبكة اللي وراه خدوا أحكام مشددة بفضل التسجيلات والأدلة اللي رامي احتفظ بيها، والجهات المختصة قفلت الملف بالكامل بعد ما الحقيقة كلها ظهرت قدام الناس.
أما شركة الشافعي، فكانت بتتوسع أكتر من الأول، ورامي رجع يمسك زمام الأمور بقوة وثبات، بس المرة دي ما كانش لواحدو..
في أعلى دور في برج الشافعي، والأوفيس واسع ومطل على النيل، كنت واقفة جنب الشباك الكبير لابسة بدلة رسمية أنيقة، وبص في الورق اللي في إيدي. ما بقيتش الممرضة الخايفة اللي بتستخبى ورا الستارة، بقيت مديرة مؤسسة الشافعي للرعاية والأعمال الخيرية، المؤسسة اللي رامي عملها مخصوص عشان نساعد بيها المرفوع عنهم الدعم والناس اللي مالهمش حد في الدنيا.
صوت خطوات منتظمة قربت مني من ضهري. رامي وقف جنبي، حاطط إيده في جيبه، ولابس قميصه الأسود المفضل، وباصص للنيل بابتسامة هادية صاعقة.
«بتفكري في إيه يا ياسمين؟»
لفت له وابتسمت: «بفكر في الليلة اللي المطر كان بيخبط فيها على شباك العناية.. وفي الكتاب اللي غير حياتنا.»
رامي مد إيده وجاب كتاب «فن الحرب» القديم نفسه، اللي كان محطوط على مكتبه الأبنوس الفخم، ومسكه بمهارة بين إيديه.
«الكتاب ده علمني إزاي أكسب التحديات يا ياسمين.. بس أنتي اللي علمتيني إزاي أعيش بعد ما التحدي يخلص.»
مسك إيدي بهدوء، والمرة دي ما كانش فيه أي ترجّي ولا خوف ولا أثر للجروح، كانت مسكة راجل بيأسس حياة جديدة مع الإنسانة اللي وقفت جنبه في أضلم أوقاته.
«النهارده بالليل فيه اجتماع مع مجلس الإدارة، وبعدها.. حجزت في المكان اللي بتحبيه على النيل، عشان فيه كلمة فاضلة من قصة التسعة وتمانين يوم لازم أقولها لك.»
«كلمة إيه؟» سألته بفضول وعينيا بتلمع.
قرب مني ودمدم بصوت دافي وحنون:
«إنك ما خلتنيش أمشي يا ياسمين.. وأنا من النهاردة مش هسيب إيدك أبدًا.»
ضحكنا إحنا الاتنين، وصوت النيل بره كان ماشي بهدوء، يكتب بداية فصل جديد وسعيد لقصة بدأت في ضلمة العناية المركزة، وانتهت تحت شمس القاهرة الصافية.
تمت



