
«شريف..» رامي قالها بنبرة خالية من أي توتر.
«أؤمرني يا باشا.»
«خد الرجالة وقفّل المدق.. محدش يدخل المزرعة غير عربية يوسف بس. خليه يدخل لحد باب البيت.. من غير ما يحس إن فيه حد مستنيه.»
«والحرس اللي يجيبهم معاه؟»
ابتسم رامي ابتسامة داهية: «يوسف مش هيجيب حرس.. الراجل لما بيترعب من ميت قايم من تربته، بييجي يسحف لوحده عشان يتأكد بنفسه. وطي النور تحت، وخلي المزرعة تبان كأنها مهجورة.»
شريف هز رأسه وخرج بسرعة، وسحب الممرضة المزيفة معاه وقفل الباب، وفضلنا أنا ورامي لوحدنا في المكتب.
المكان كان هادي، صوت المطر بره بقى مجرد وش واطي على السقف. بصيت لرامي، كان شكلي باين عليه الضياع والتعب، هدوم السكراب بتاعتي كانت متبهدلة طين من بره، وشعري مشعث، وإيديا لسه فيها أثر العرق والدم اللي مسحته في العناية.
رامي مشي خطوات بطيئة ناحية الكنبة الجلد اللي في زاوية الأوضة، قعد عليها بثقل، وشاورلي بجنبه.
«تعالي اقعدي يا ياسمين.. أنتي بقالك ساعات على رجليكي.»
قربت وقعدت على الطرف التاني من الكنبة، كنت حاسة إن جسمي كله بيترعش من كبت الأحداث. بصيت له وسألته:
«أنت متأكد إنه هييجي؟ مش يمكن يهرب؟ مش يمكن يبلغ الشرطة؟»
رامي بصلي بثبات، وعينيه الأسود الحاد كان فيهم ثقة تخوف:
«اللي سرق شقا عمرك وعايش في خيرك، ما بيعرفش يهرب يا ياسمين. الجشع بيخليه يعمى.. يوسف جاي عشان يقنع نفسه إن الصوت اللي سمعه كان خيال، أو إن فيه حد بيلعب بأعصابه. هو مش قادر يصدق إن تسعة وتمانين يوم غيبوبة تنتهي في ثانية.»
سكت لحظة، وبعدين مد إيده وجاب كوفرتة كانت مطوية على طرف الكنبة، وحطها على كتفي بالراحة.
«أنتي عملتي حاجة الليلة دي.. دكاترة ورجالة بأسبال ما يقدروش يعملوها. الخوف اللي في عينيكي ده.. ده حقك، بس أوعدك.. طول ما أنتي في ضهر رامي الشافعي، محدش في الدنيا دي كلها يقدر يلمس شعرة منك.»
الكلمات طلعت منه دافية وصادقة، خلت شيئاً جوايا يهدى لأول مرة من ساعات. بصيت له وقلت بصوت واطي:
«أنا ماكنتش بعملك كده عشان خايفة ولا عشان عاوزة حاجة.. أنا كنت بكلمك في العناية عشان كنت حاسة إنك بتهرب من الدنيا دي زي ما أنا كنت بهرب منها طول عمري.»
بصلي بتركيز غريب، وكأنه لأول مرة بيشوفني مش مجرد ممرضة أنقذت حياته، لكن كإنسانة قرا سطر من روحها زي ما قريت له كتاب كامل.
وفجأة.. صوت فرامل عربية صرخ في ساحة المزرعة بره. صوت الإطارات وهي بتاكل الطين، وبعدها صوت باب العربية وهو بيتفتح بيتقفل بغشومية.
رامي ما اتنفضش، ولا عينيه رمشت. شال حاجة من على المكتب، حطها في جيبه، وقام وقف بمنتهى الهدوء.
«ووصل التاني..» قالها بنبرة تقطع العرق وتسيح الدم.
بصلي وقال بصوت واطي: «اخليكي هنا.. ولا تحبي تشوفي النهاية بنفسك؟»
قمت وقفت جنبه، ربطت الكوفرتة حوالين كتفي، وقلت بجمود:
«أنا قريت فن الحرب كله يا رامي.. وعارفة إن الفرجة على سقوط العدو.. جزء من الخطة.»
ابتسم رامي ابتسامة واثقة، وفتح باب المكتب، ونزلنا السلم في الضلمة.. ناحية الصالون اللي كان باب البيت الخارجي بتاعه بيترعش تحت خبطات يوسف المرعوبة.
نزلت مع رامي على السلم ببطء، الخطوات كانت واطية ومكتومة، والصالون تحت كان مغمور في ضلمة خفيفة مفيهاش غير النور الأبيض اللي جايلنا من أضواء عربية يوسف اللي متسابة شغالة بره وضربة في زجاج الباب الخارجي.
الخبط على الباب كان متواصل، هيستيري، خبط واحد ميت من الرعب ومش قادر يمسك أعصابه.
رامي وقف في نص الصالون، حط إيد في جيب بنطلونه، وبالإيد التانية أشار لشريف اللي كان واقف ورا العمود في الضلمة. شريف مسك أوكرة الباب ولف المفتاح بشويش.. وفتح الباب على آخره.
يوسف دخل يجري، وشها كان أصفر زي الميتين، المطر كان مغرق شعره والبدلة الغالية اللي لابسرها، وكان ماسك تليفونه في إيده ورجليه بتخبط في بعضها.
«رامي؟! شريف؟! فيه إيه هنا؟ مين اللي بيتكلم من التليفون؟!»
صرخ بصوت متقطع وهو بيلتفت في الضلمة زي المجنون، مش شايف رامي اللي كان واقف في الظل.
رامي أخد خطوة واحدة لقدام، ونزل تحت النور اللي جايلنا من بره.
«مستعجل ليه يا يوسف؟ الشاي لسه سخن..»
يوسف اتجمد في مكانه كأنه اتضرب بصاعقة. عينيه اتفتحت على آخرها، وصدره بقى يعلى وينزل بسرعة رهيبة، وسقط التليفون من إيده على الأرض وعمل صوت رن مكتوم على السجاد.
«أنت.. أنت.. أنت صحيت إزاي؟! الدكاترة قالوا.. قالوا مفيش أمل!»
«قالوا مفيش أمل؟ ولا أنتي اللي دفعت فلوس للممرضة عشان تضمن إن مفيش أمل؟» رامي قالها بنبرة هادية بشكل يرعب، وهو بيقرب منه خطوة خطوة، «تسعة وتمانين يوم يا يوسف.. تسعة وتمانين يوم وأنا قاعد جوه سجن جسمي، أسمعك وأنت بتبكي جنبي الصبح، وأسمعك بالليل وأنت بتخطط إزاي تاخد كل حاجة..»
يوسف بدأ يرجع لورا بظهره لحد ما خبط في الباب المقفول، وشفايفه كانت بترتعش ومش قادرة تطلع جملة مفيدة.




