
مين؟!
رجعت خطوتين، لكن فات الأوان.. الباب اتفتح، ووليد وقف قدامي ووشه فقد لونه:
سارة؟!
بصيتله وبصيت للمعمل وقلت:
أنا المفروض اللي أسألك.. إنت بتعمل إيه هنا؟!
وليد قفل الباب وراه وخرج معايا للممر:
إنتِ جيتي هنا إزاي؟
ضحكت بسخرية:
دي أهم حاجة عندك؟
سارة..
قاطعته:
أنا شفت الرسالة.
وشه اتغير:
رسالة إيه؟
الرسالة اللي جات على الساعة.. معادنا تسعة ونص، ومحدش يشوفك وإنت داخل.
سكت، فقلت:
أنا افتكرت إنك بتخوني.
ولأول مرة من ساعة ما شوفته، ملامحه هديت شوية وقال:
يا ريت الموضوع كان بالبساطة دي.
الجملة ضايقتني:
يعني إيه يا ريت؟
بص ناحية باب المعمل وقال:
اللي جوه ده بدأ من سنة ونص كمشروع تخرج لمجموعة طلبة كانوا بيحاولوا يطوروا مادة حيوية تقدر تحلل بعض أنواع المخلفات الصناعية أسرع من الطرق التقليدية.
بصيتله باستغراب:
وإيه المشكلة؟
قال:
المشكلة إن المادة اتغيرت.. بقت تتفاعل مع حاجات مكانتش المفروض تتفاعل معاها.
زي إيه؟
بص في عيني:
لسه مش عارفين.
ضحكت بعصبية:
وليد، أنا مش طالبة عندك.. متكلمنيش بالألغاز.
مسح وشه بإيده:
من شهرين حصل تلوث في واحدة من العينات المفروض كنا نتخلص منها، لكن لما جينا نحللها اكتشفنا إنها طورت نشاط مختلف تمامًا.
والريحة؟
هنا سكت، فقربت منه وقلت:
الريحة اللي بقالي شهرين بشمها عليك.. جاية من هنا، صح؟
هز راسه:
أيوه.
إنت مش بتشمها؟
بشم ريحة بسيطة جدًا، زي رطوبة أو مادة عضوية.
بصيتله بعدم تصديق:
بسيطة؟! أنا حاسة إني واقفة جنب مصرف!
وليد ركز في وشي فجأة، وبدل ما يرد، سألني:
إنتِ شميتيها من أول إمتى بالظبط؟
من حوالي شهرين.
قبل ما أقولك أي حاجة عن المعمل؟
طبعًا.
ملامحه اتغيرت، وفتح باب المعمل فجأة وقال:
تعالي.
على فين؟
تعالي بس.
دخلت وراه. أول ما دخلنا الباحثين بصوا لبعض، ووليد قال:
هاتوا العينات الستة.
ليه؟
هاتهم.
طلع ست علب صغيرة متطابقة، ورصهم قدامي وكلهم مقفولين بإحكام.
قلت:
وبعدين؟
قال:
قوليلي أنهي واحدة ريحتها وحشة.
بصيتله كأنه مجنون:
وليد، أنا مش داخلة ألعب.
سارة، أرجوكي.
قربت من العلب.. الأولى مفيش، التانية مفيش، وعند التالتة حسيت بحاجة خفيفة، لكن لما وصلت للخامسة.. رجعت بوشي فورًا:
دي!
المعمل كله سكت. وليد بص للباحثين، وواحد منهم قال:
مستحيل.
وليد قال:
بدلوا أماكنهم.
لفيت ضهري، وهما بدلوا العلب، وجربت تاني وأشرت لنفس العينة. كررناها للمرة التالتة وكانت نفس النتيجة.
الباحث الأصغر قال:
بس العلب دي محكمة الغلق.
قلت بعصبية:
وأنا مالي؟ أنا بشمها!
لكن وليد مكانش باصصلي، كان باصص للعينة كأنه شاف شبح.
حد يفهمني!
وليد سحب كرسي وقال:
اقعدي.
مش هقعد.
سارة، المادة دي إحنا نفسنا مش قادرين نرصد انبعاثها بالأجهزة العادية.
يعني إيه؟
يعني أجهزة تحليل الهواء بتقول إن مفيش فرق تقريبًا بين العينة دي والعينات التانية.. لكن إنتِ عرفتيها وهي جوه عبوة مقفولة.
قلت:
أنا حاسة الشم عندي قوية من وأنا صغيرة، إنت عارف.
قال:
قوية حاجة.. واللي حصل دلوقتي حاجة تانية.
رجعنا البيت قرب الفجر، وطول الطريق محدش فينا اتكلم، لكن دماغي مكانتش ساكتة.
تاني يوم، وليد طلب مني حاجة غريبة.. قال إنه محتاج يعمل لي اختبار شم في معمل متخصص، ووافقت.
قعدت ساعتين قدام عشرات العينات بروايح مختلفة بتركيزات ضعيفة جداً. وفي الآخر الدكتور المسؤول بص لوليد وقال:
مراتك عندها حساسية شمية استثنائية.
قلت:
عارفة.
لكنه كمل:
مش للدرجة اللي حصلت مع عينتكم.. التركيزات اللي قدرت تميزها هنا ممتازة لكنها داخل الحدود البشرية، إنما حسب كلامكم، المادة الموجودة في العبوة المفروض أصلًا مفيش منها جزيئات كفاية توصل لمستقبلات الشم.
يعني أنا شميتها إزاي؟
محدش رد، ومن هنا.. الموضوع بدأ يخوفني.
وليد أخدني المعمل كذا مرة خلال الأسبوع اللي بعده، وكان كل مرة يخليني أميز بين عينات مختلفة، والغريب إني كنت بعرف العينة المتغيرة كل مرة، حتى لما حطوها ورا حاجز أو لما غيروا العبوات.
لكن حصل شيء أغرب.. في إحدى المرات، دخلت المعمل وقلت فورًا:
العينة مش هنا.



