روايات وقصص

بعد اربع سنين جوزي لقي شغل

فضلت باصة له.
— يعني إيه؟

سكت لحظة.
قلت:
— أحمد… الموضوع خطير للدرجة دي؟

رد:
— هما قلقانين جدًا.
— من إيه؟

بص في عيني مباشرة.
— إن الأرض نفسها تهبط.

ضحكت ضحكة صغيرة من التوتر.
الجملة كانت غريبة لدرجة إني ما عرفتش أتعامل معاها بجدية.
— يعني الشارع هيقع مثلًا؟

لكن لما شفت وشه…
الضحكة اختفت فورًا.

قلت:
— إنت بتتكلم بجد؟
— جدًا.

قربت الموبايل مني أكتر.
— طب لو الموضوع بالخطورة دي، ليه محدش بلغنا؟

قال:
— فريق الطوارئ في المحافظة شغال عليه دلوقتي. كانوا لسه بيأكدوا حدود المنطقة المتأثرة، ولما مديري شاف عنوان بيتنا في أوراقي سألني لو عندي عيلة في البيت.

سكت.
قلت له:
— آه.

وقتها بدأت أفهم.
قلت له:
— وقالك إيه؟

رد من غير تردد:
— قال لي اخرجهم من البيت فورًا. وإحنا هنتولى البلاغات الرسمية.

بصيت ناحية السقف.
فوق…
كان ولادي قاعدين في أوضهم، ولا يعرفوا أي حاجة.

صرخت:
— يا ولاد! البسوا الجزمة وانزلوا حالًا!

فجأة كل صوت عادي في البيت بقى بيخوفني.
صوت المواسير.
صوت التلاجة.
خطوات ابني وهو بيجري في الدور اللي فوق.

طلعت بسرعة ناحية الأوض.
بدأت أحط هدوم في شنطة.
الأدوية.
الشواحن.
فرش الأسنان.
وملف فيه أوراق التأمين وكل المستندات المهمة.

بنتي ليلى، وكان عندها 9 سنين، ظهرت عند السلم وقالت:
— ماما، إحنا رايحين فين؟

قلت:
— البسي بسرعة بس.
— ليه؟
— بعدين هفهمك.

ابني عمر، وكان عندها 6 سنين، نزل وهو شايل 3 دبدوباته المفضلة.
بصيت له وقلت:
— واحد بس يا عمر.

حضن التلاتة وقال:
— بس هما هيخافوا لو سبتهم.

بصيت له ثانيتين.
— خلاص… خد التلاتة.

أحمد بدأ يشيل الشنط ويحطها عند الباب.
وكنا خلاص هنخرج…
لما بصيت من بين الستارة ناحية البيت اللي جنبنا.
بيت الحاجة منى.

كانت جارتنا.
عندها 82 سنة.
أرملة.
وعايشة لوحدها.
وفوق كل ده، ما كانتش بتسوق.

قلت:
— الحاجة منى.

أحمد بص لي.
— إيه؟
— لازم ناخدها معانا.

مسك دراعي.
— مريم…

قلت:
— الست لوحدها.

بص ناحية بيتها.
— المحافظة هتبلغ الناس.

قلت:
— بس لحد دلوقتي محدش بلغها.

فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال:
— بسرعة.

جريت على بيتها.
وأحمد خرج ورايا.
خبطت على الباب بعنف.

بعد شوية فتحت لي وهي لابسة شبشب البيت.
بصت لي باستغراب:
— مريم؟ فيه إيه؟

قلت:
— يا حاجة منى، حضرتك لازم تحضري شنطة بسرعة.

رمشت أكتر من مرة.
— شنطة إيه؟

قلت:
— فيه مشكلة تحت الأرض، ولازم نسيب البيوت مؤقتًا.

من ورايا أحمد نادى:
— مريم، بسرعة!

الحاجة منى بصت له.
قالت:
— هو فيه أعمال حفر ولا إيه؟

قلت:
— لأ. فيه نفق صرف قديم حصل فيه انهيار.

ملامحها اتغيرت.
— تحت البيوت؟

قلت:
— ممكن.

دخلت معاها بسرعة.
ساعدتها تجمع أدويتها.
وأحمد حط المشاية بتاعتها في العربية.

وإحنا خارجين، بصيت ناحية البيوت اللي قدامنا.
قلت:
— وفيه ناس تانيين.

أحمد بص لي.
— مريم، مش هنقدر نخبط على خمسين بيت.

قلت:
— طب نخبط على أقرب بيوت وإحنا ماشيين.

فوافق.
إحنا ما حاولناش نخلي المنطقة كلها تخرج بنفسنا.
لكن وإحنا رايحين ناحية العربية، خبطنا على البيوت اللي جنبنا والبيوت اللي قدامنا مباشرة.

بعض الناس صدقونا من أول كلمة.
ست ساكنة على بعد بيتين شالت طفلها الصغير وخرجت فورًا من غير ما تناقش.

راجل تاني قال:
— عندكم دليل؟

أحمد فتح له الصورة على موبايله.
أول ما شاف الخريطة…
وشه شحب.

لكن لما وصلنا لبيت عم فؤاد، الموضوع كان مختلف.
قال لأحمد وهو بيضحك:
— إنت بتقول لي الشارع ممكن يقع؟

أحمد شد فكه.
— أنا بقول لك إن المهندسين لقوا حركة خطيرة في التربة.

عم فؤاد عقد دراعاته قدام صدره.
— والمحافظة ما قالتش حاجة؟
— هتبلغ خلال دقائق.
— يعني لحد دلوقتي الكلام ده مجرد إشاعة.

قال أحمد بعصبية:
— مش إشاعة.

عم فؤاد قال:
— أنا هستنى لحد ما ييجي تنبيه رسمي.

قرب أحمد منه خطوة.
— اعمل اللي إنت عايزه، بس طلع مراتك من البيت.

عم فؤاد اتعصب.
— ما تقوليش أعمل إيه في بيتي!

شدّيت أحمد من هدومه.
— كفاية.

كان باين عليه إنه متعصب جدًا.
قلت له:
— إحنا حذرناه. خلاص.

قال:
— أيوه… ده أقصى اللي نقدر نعمله.

وسبناه.

بعد حوالي 20 دقيقة، وصلنا بيت أختي سارة.
دخلنا كلنا عندها.
الولاد كانوا مرتبكين، والحاجة منى مش فاهمة هي هترجع بيتها إمتى.

وأقل من ساعة بعد ما خرجنا…
بدأت موبايلات كل سكان المنطقة ترن.
تنبيه طوارئ رسمي.
إخلاء مؤقت.
احتمال وجود عدم استقرار في التربة.
يُمنع البقاء داخل العقارات الواقعة في المنطقة المتأثرة.

أحمد فضل باصص للإشعار على موبايله.
قال:
— أهو.

افتكرت إنه لما يشوف التحذير الرسمي هيرتاح.
لكنه بدل ذلك… ظل واجماً.
ما يرتاح، خرج لوحده ناحية الجنينة.

لقيته بعد شوية قاعد على السلم الخلفي لبيت سارة.
قعدت جنبه.
قلت:
— إنت طلعتنا قبل حتى ما التنبيه يوصل.

فضل باصص قدامه.
وبعدين قال:
— ممكن أكون بوظت الشغل.

لفيت له بسرعة.
— إيه؟

قال:
— أنا خرجت في نص أول يوم ليا.

قلت:
— مديرك هو اللي قال لك تروح تجيب عيلتك.

قال:
— هو قال لي أخرج عيلتي. ما قالليش أختفي باقي اليوم كله.

بصيت له بعدم تصديق.
— أحمد، نص المنطقة اتعمل لها إخلاء دلوقتي.

قال:
— عارف.
وفرك إيديه في بعض.
— بس لما تبقى الموظف الجديد… ما تعرفش إيه اللي ممكن يتحسب عليك.

قلت:
— أحمد…
هز راسه.
— أنا استنيت أربع شهور عشان حد يديني فرصة. أربع شهور يا مريم. وأول يوم شغل، أمشي قبل حتى ما اليوم يخلص؟

قلت:
— ده مش غياب من غير سبب.

لكنه ما كانش سامعني تقريبًا.
قال:
— أنا المفروض مسئوليتي إني أصرف على البيت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى