روايات وقصص

شغل جوزي السري

بس ده مش مستشفى يا أحمد.
حط إيديه الاتنين على وشه ومسحهم بعصبية، كأنه كان بيحاول يرتب الكلام اللي هيقوله.
يا سلمى… أرجوكي، اديني فرصة أشرحلك.
لكن قبل ما يكمل، عيني وقعت على شهادة كبيرة متعلقة في إطار جنب مكتبه.
قربت منها.
وقريت الاسم والتخصص المكتوبين عليها
الدكتور أحمد الشناوي أخصائي التجميل والترميم وإصلاح آثار الإصابات.
وقتها…
كل حاجة بدأت تركب مكانها.

اللي قريتها على الإنترنت.
أحمد غير حياتي.
كنت خايفة، لكنه خلاني أحس إني جميلة من تاني.
جوزي لسه مايعرفش إني روحت له.
فهمت.
الستات كانوا بييجوا لأحمد عشان إصلاح آثار الجروح والندبات، وإجراءات تجميلية، وعلاجات خاصة جدًا بعضهم ماكانوش عايزين أهلهم أو أزواجهم يعرفوا عنها.
المفروض إني أرتاح.
المفروض آخد نفس وأضحك على نفسي وأقول إن كل الشكوك اللي دخلت دماغي كانت غلط.
لكن الغريب…
إني ما ارتحتش.
بالعكس.
إحساس أبرد وأتقل استقر جوا صدري.
لأن سؤال واحد بس كان مسيطر على دماغي.
بصيتله وقلت
طب ليه؟
سكت.
ليه تخبي عني حاجة زي دي؟ إحنا متجوزين بقالنا 3 سنين يا أحمد. إيه المشكلة إنك تقولي تخصصك الحقيقي؟
أحمد ما ردش.
بص ناحية الباب الأول.
وبعدين رجع بصلي.
ولما اتكلم، وطّى صوته جدًا.
لأن ده مش السر اللي كنت خايف إنك تعرفيه.
حسيت معدتي اتقبضت من جديد.
قلت
يعني إيه؟
أحمد فضل ساكت ثواني.
وبعدين اتحرك ناحية دولاب صغير مقفول بالمفتاح في آخر الأوضة.
طلع سلسلة مفاتيح من جيبه.
فتح الدولاب.
وأخرج منه ملف سميك جدًا.
كان واضح إنه ملف قديم، ومليان أوراق وتقارير.
حطه قدامي على المكتب.
وأول ما بصيت على الغلاف…
حسيت الدم اتجمد في عروقي.
لأن المكتوب عليه كان اسمي بالكامل بعد الجواز.
مدام سلمى الشناوي.
رفعت عيني لأحمد ببطء.
إيه ده؟
ما ردش.
حطيت إيدي على الملف، لكن ما فتحتوش.
أحمد… إيه اللي عندك عني؟
بلع ريقه وقال
كنت بتمنى إني أقدر أصلح الموضوع قبل ما تعرفي أصلًا.
سحبت إيدي من فوق الملف كأنه حاجة سخنة.
تصلح إيه؟
أحمد بصلي نظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
كانت خليط بين الخوف والندم.
وبعدين قال
اللي حصل قبل ما نتعرف على بعض.
فضلت باصة له.
قبل ما نتعرف؟ إنت بتتكلم عن إيه؟
سكت لحظة…
وبعدين قال
عن الحادثة يا سلمى.
قلبي وقف للحظة.
لأن فيه حادثة واحدة بس في حياتي ممكن يكون بيتكلم عنها.
حادثة العربية اللي حصلتلي وأنا عندي 22 سنة.
الحادثة اللي فضلت بعدها شهور بتعالج.
واللي سابتلي ندبة صغيرة تحت ضلوعي، وندبة تانية شبه مختفية عند كتفي.
لكن أحمد ماكانش يعرف تفاصيلها.
أو على الأقل…
أنا كنت فاكرة إنه مايعرفش.
بصيت للملف تاني.
وبعدين قلت
إنت جبت الملف ده منين؟
أحمد شد الكرسي وقعد كأنه رجله مبقتش قادرة تشيله.
وقال
اقعدي يا سلمى.
مش هقعد! قولي الملف ده عندك ليه!
رفع عينه ليا وقال
لأن حالتك وصلتلي من سنتين.
اتجمدت.
إيه؟
من سنتين تقريبًا، دكتور زميل ليا بعتلي مجموعة ملفات قديمة لحالات كان محتاج رأيي فيها. حالات إصابات وجراحات ترميمية قديمة. ملفك كان من ضمنهم.
بصيتله بعدم فهم.
بس إحنا وقتها كنا متجوزين.
هز راسه.
أيوه.
وإنت لما شفت اسمي عرفت إن دي أنا؟
مش من الاسم.
فتح الملف.
وقلب صفحتين.
وبعدين وقف عند صورة طبية قديمة.
أنا ماقدرتش أبص عليها أكتر من ثانية.
لكنه قال
عرفت من تاريخ الحادثة… ومن العلامة اللي عند كتفك.
بدأ نفسي يضيق.
وبعدين؟
أحمد سكت.
قلت بصوت أعلى
وبعدين إيه اللي حصل؟!
قال
اكتشفت إن التقرير اللي اتقالك وقتها… مش كامل.
بصيتله.
يعني إيه مش كامل؟
أحمد قام من مكانه وطلع ورقة من الملف.
بعد الحادثة إنتِ عملتي أكتر من عملية.
عارفة.
لأ… مش كلها.
الجملة نزلت عليا كأن حد ضربني.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
أحمد، أنا كنت واعية. صحيح كنت تعبانة، لكن أكيد هعرف أنا دخلت كام عملية.
قال بهدوء
كنتِ في العناية المركزة جزء من الوقت.
سكت.
بدأت ذكريات قديمة جدًا ترجعلي.
ريحة المستشفى.
صوت الأجهزة.
أمي وهي قاعدة جنبي ووشها أصفر من الخوف.
وأبويا كل ما أسأله عن تفاصيل الحادثة يقولي
المهم إن ربنا نجاكي.
بصيت لأحمد.
هما عملولي إيه؟
أحمد ما ردش فورًا.
وده خلاني أخاف أكتر.
قربت منه وقلت
أحمد… هما عملولي إيه وأنا مش واعية؟
قال بسرعة
مفيش حد أذاكي. العملية كانت ضرورية لإنقاذ حياتك.
عملية إيه؟
مدلي الورقة.
لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني ماقدرتش أمسكها.
فقال
الإصابة الداخلية كانت أكبر مما أهلك قالولك.
يعني؟
حصل نزيف شديد جدًا.
بدأت دموعي تتجمع في عيني.
كمل.
أخد نفس طويل.
والجراح وقتها اضطر يعمل تدخل كبير عشان يوقف النزيف.
قلت
وبعدين؟
بصلي مباشرة.
التقرير بيقول إن الإصابة أثرت على جزء من جهازك التناسلي.
مافهمتش في الأول.
أو يمكن عقلي رفض يفهم.
قلت
يعني إيه؟
أحمد قرب مني.
سلمى…
رجعت خطوة لورا.
ماتقربش. قول.
صوته اتكسر وهو بيقول
فرص الحمل الطبيعي عندك أقل بكتير من الطبيعي.
الأوضة كلها سكتت.
حتى صوت التكييف حسيت إنه اختفى.
فضلت واقفة باصة له.
وبعدين هزيت راسي.
لأ.
سلمى…
لأ. مستحيل.
وبعدين فجأة افتكرت حاجة.
إحنا بقالنا 3 سنين متجوزين.
وفي أول سنة كنا متفقين نأجل الخلفة.
لكن من أكتر من سنة…
بطلنا نأجل.
ومع ذلك، الحمل ماحصلش.
كل مرة كانت الدورة تنزل كنت أزعل شوية، وأحمد يضمني ويقول
لسه بدري… ماتقلقيش.
رفعت عيني له.
وفجأة الغضب غطى على الخوف كله.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
صرخت
إنت كنت عارف يا أحمد؟!
قال
عرفت من حوالي سنتين.
شهقت من الصدمة.
سنتين؟!
يعني تقريبًا من بداية جوازنا.
وعشت معايا سنتين وإنت عارف وساكت؟!
كنت بحاول أتأكد.
سنتين بتتأكد؟!
الموضوع أعقد من كده.
مسكت الملف ورميته على المكتب.
الأوراق اتبعترت.
وأهلي؟ كانوا عارفين؟
هنا أحمد سكت.
وكان سكوته هو الإجابة.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قعدت على الكرسي من غير ما أحس.
ماما وبابا كانوا عارفين؟
قال بصوت هادي
على حسب الملف… والدك وقع بنفسه على الموافقة على العملية.
غطيت بوقي بإيدي.
أنا كنت فاكرة إن جوزي مخبي عني شغله.
لكن فجأة اكتشفت إن جوزي وأهلي شايلين سر عن جسمي أنا.
عن حياتي أنا.
عن مستقبلي أنا.
بصيت لأحمد وقلت
عشان كده اتجوزتني؟
اتصدم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى