
إيه؟
عرفت حالتي قبل الجواز؟
قال فورًا
لأ! أقسم بالله لأ. أنا عرفتك وحبيتك واتجوزتك قبل ما الملف يوصلني.
طب ليه خبيته؟
سكت لحظة وقال
لأني لما اكتشفت الحقيقة، بدأت أدور على حل.
بصيتله بسخرية وسط دموعي.
حل من ورايا؟
كنت عايز أوفر عليكي الوجع لحد ما أتأكد إن فيه أمل.
وأشار للملف.
عشان كده كنت بقضي ساعات زيادة في العيادة والمستشفى. كنت بتواصل مع جراحين ومراكز متخصصة، وبراجع حالتك مع ناس أثق فيهم من غير ما أكشف هويتك.
بصيت للأوراق المبعثرة.
لأول مرة لاحظت إن بعضها مش قديم.
فيه تقارير بتاريخ قريب.
ومراسلات.
وأسماء أطباء.
وأبحاث مطبوعة.
أحمد قال
وكنت ناوي أقولك.
رفعت رأسي.
إمتى؟ بعد عشر سنين؟
لما يكون عندي حاجة أقولها غير أنا اكتشفت إن أهلك خبوا عنك حقيقة ممكن تغير حياتك.
سكت لحظة.
ثم قال
وكنت مستني مكالمة واحدة.
قبل ما أسأله عن معنى كلامه…
تليفونه رن.
أحمد بص للشاشة.
واتغير وشه.
مد إيده ناحية الموبايل، لكنه وقف قبل ما يرد.
قلت
مين؟
رفع عينه ليا.
الدكتور اللي بعتله ملفك من شهرين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وليه بيتصل دلوقتي؟
أحمد رد على المكالمة وحطها على السماعة الخارجية.
صوت راجل جه من الناحية التانية
دكتور أحمد؟ آسف إني اتأخرت عليك، لكن أنا راجعت الفحوصات القديمة والجديدة كلها.
أحمد بصلي.
والراجل كمل
وعندي خبر مهم بخصوص حالة مدام سلمى.
مسكت طرف الكرسي بإيدي.
ثم سمعت الجملة اللي خلتني أنسى للحظة كل غضبي.
التقرير القديم كان فيه استنتاج غلط… فرصتها في الحمل مش زي ما اتكتب وقتها.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
لكن الدكتور كمل
وفيه حاجة تانية لقيتها في الملف… حاجة لازم مدام سلمى تعرفها بنفسها.
سألت بسرعة
حاجة إيه؟
سكت الطبيب ثانيتين.
ثم قال
الأفضل تيجوا المستشفى فورًا… لأن الجزء الناقص من تقرير العملية موجود عندنا.
وقتها أحمد قفل عينه للحظة.
أما أنا فبصيت للملف المبعثر على الأرض…
لأنني
بدأت أفهم إن السر اللي أخفاه جوزي عني…
يمكن ماكانش أخطر سر في الحكاية أصلًا.
الجزء الثالث والأخير
بصيت لأحمد وأنا لسه ماسكة طرف الكرسي بإيدي، وقلبي بيدق بعنف.
جزء ناقص من تقرير العملية؟ يعني إيه؟
الصوت اللي جاي من الموبايل رد بهدوء
مدام سلمى، أنا مقدر إن الكلام غريب ومقلق، لكن الأفضل أشوفك بنفسي. فيه مستندات أصلية لازم تشوفيها، وفيه تفاصيل ماينفعش أشرحها في مكالمة.
بصيت لأحمد.
إنت كنت تعرف موضوع الجزء الناقص ده؟
هز راسه فورًا.
والله العظيم لأ.
فضلت باصة في عينيه ثواني.
لأول مرة من ساعة ما دخلت العيادة، حسيت إن خوفه حقيقي.
مش خوف واحد اتكشف كذبه…
خوف واحد اكتشف إن الحقيقة اللي كان بيدور وراها أكبر منه هو كمان.
قفلت المكالمة وقلت
هنروح المستشفى دلوقتي.
أحمد أخد مفاتيحه من فوق المكتب.
طبعًا.
قلت وأنا بلم شنطتي
بس ماتفتكرش إن اللي حصل بينا خلص.
وقف مكانه.
عارف.
إنت كذبت عليا.
عارف.
وخبيت عني حاجة تخص جسمي وحياتي سنتين كاملين.
نزل عينه للأرض.
وعارف إن مفيش مبرر يمسح ده.
الجملة دي خلتني أسكت.
لأنه لأول مرة ماحاولش يدافع عن نفسه.
خرجنا من العيادة، وركبنا العربية.
وطول الطريق للمستشفى…
ماحدش فينا نطق كلمة.
كنت ببص من الشباك، لكن دماغي كانت في مكان تاني تمامًا.
كل ذكرياتي عن الحادثة بدأت ترجعلي.
كان عندي 22 سنة.
كنت راجعة مع بنت صاحبتي من فرح، وعربية فقدت السيطرة وخبطتنا من الناحية اللي كنت قاعدة فيها.
فاكرة الإسعاف.
فاكرة النور الأبيض فوق رأسي.
فاكرة إني صحيت مرة ولقيت أمي بتعيط.
وبعدين صحيت بعدها بكام يوم وأنا في العناية.
لكن الفترة اللي بينهم…
كانت فاضية.
مجرد سواد.
كل ما كنت أسأل أبويا
حصل إيه؟
كان يقول
نزيف داخلي وعملولك عملية، والحمد لله ربنا كتبلك عمر جديد.
ولما كنت أسأل أمي ليه عندي أكتر من جرح جراحي…
كانت تقول إن الأطباء اضطروا يفتحوا أكتر من مكان عشان يوقفوا النزيف.
وصدقتهم.
دول أهلي.
كان عندي سبب أشك فيهم ليه؟
وصلنا المستشفى.
الدكتور اللي كلم أحمد كان مستنينا في مكتبه.
كان راجل في أواخر الخمسينات، اسمه الدكتور شريف منصور.
أول ما دخلنا، قام وسلم عليا وقال
أنا آسف إنك بتعرفي الكلام بالطريقة دي.
قعدت قدامه.
أنا عايزة الحقيقة كلها.
بص لأحمد.
قلت بسرعة
وهو يقعد. مفيش أسرار تاني.
الدكتور شريف فتح ملف قديم جدًا.
وقال
بعد الحادثة، حصل عندك نزيف حاد في البطن والحوض. الجراحين دخلوا فورًا لأن حياتك كانت في خطر.
الكلام ده عرفته النهارده.
هز راسه.
التقرير المختصر اللي موجود في ملفك ذكر وجود إصابة شديدة في أحد المبيضين، والتصاقات متوقعة بعد الجراحة، ومن هنا اتكتب إن فرص الحمل الطبيعي مستقبلًا ممكن تكون ضعيفة.
قلت
طيب إيه الغلط؟
طلع ورقة تانية.
دي نسخة من التقرير الجراحي الكامل.
مدها ناحيتي.
المبيض المصاب اتعالج، لكنه ما اتشالش.
بصيتله.
يعني إيه؟
يعني التقرير المختصر اتفهم بعد كده بطريقة أسوأ من الحقيقة. الإصابة كانت قوية، لكن مفيش دليل يقول إنك مش هتقدري تخلفي طبيعي.
حسيت إني مش عارفة أفرح ولا أصرخ.
قلت
وأهلي كانوا عارفين؟
الدكتور سكت لحظة.
والدك كان عارف إن الأطباء حافظوا على المبيض.
بصيت لأحمد.
وبعدين رجعت للدكتور.
يبقى ليه خلوني طول السنين دي فاكرة إن العملية كانت مجرد نزيف؟
قال
هنا بقى فيه الجزء التاني.
طلع ظرف أصفر قديم.
كان عليه اسمي وتاريخ الحادثة.
فتح الظرف وطلع ورقة.
أثناء العملية، الجراح لاحظ حاجة ملهاش علاقة مباشرة بالحادث.
قلبي اتقبض.
إيه؟
كان فيه ورم صغير جدًا على المبيض المصاب.
اتجمدت.
ورم؟!
أحمد اتحرك في كرسيه.
حتى هو واضح إنه أول مرة يسمع الكلام.
الدكتور شريف رفع إيده بسرعة.
استني. ماتخافيش من الكلمة. الورم اتشال بالكامل وقت العملية واتعمل له تحليل.
قلت بصوت مرتعش
وكان إيه؟
ابتسم ابتسامة بسيطة.
حميد.
خرج النفس من صدري مرة واحدة.
لكن سؤالي كان واضح
طب ليه محدش قالي؟
الدكتور شريف لف الورقة ناحيتي.
لأن والدك طلب وقتها إنك ماتعرفيش.
فضلت باصة له.
طلب إيه؟
حسب الملاحظة المكتوبة، حالتك النفسية بعد الحادث كانت سيئة جدًا. والدك قال للطبيب إنك فقدتي صاحبتك في نفس الحادث…
نزلت عيني.
دينا.
صاحبتي ماتت في العربية.
وأنا عشت.
ودي كانت حاجة فضلت شهور مش قادرة أتقبلها.
الدكتور كمل
والدك كان خايف كلمة ورم تعمل لك انهيار، خصوصًا إنه كان حميد واتشال بالكامل. الطبيب وافق إنهم يأجلوا إخبارك لحد ما حالتك تستقر.
قلت
يأجلوا؟
ضحكت بمرارة.
أنا عندي 31 سنة دلوقتي! هو التأجيل عندهم كان تسع سنين؟!
محدش رد.
وقفت.
أنا لازم أكلم بابا.
طلعت موبايلي واتصلت بيه.
رد بعد رنتين.
أيوه يا سلمى يا حبيبتي.
قلت
بابا… أنا في المستشفى.
صوته اتغير فورًا.
مستشفى؟! مالك؟ أحمد معاكي؟
قلت
أنا عرفت.
سكت.
سكوته كان كفاية.
عرفت إيه يا بنتي؟
عرفت كل حاجة عن الحادثة.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين سمعت صوته واطي
إنتِ فين؟
بعد حوالي نص ساعة…
بابا وماما كانوا داخلين علينا.
أمي أول ما شافتني بدأت تعيط.
وأنا كنت متخيلة إني أول ما أشوفهم هصرخ.
لكن الغريب إني ماصرختش.
سألت سؤال واحد
ليه؟
بابا قعد قدامي.
ولأول مرة في حياتي شوفته عاجز عن الكلام.
قال
كنت خايف عليكي.
تسع سنين؟
في الأول كان كام أسبوع.
ابتسمت بسخرية.
وبعدين؟
مسح وشه بإيده.
بعدين بقيتي أحسن… وكل ما كنا نقول هنفتح معاكي الموضوع، كنا نخاف نرجعك للحالة اللي كنتي فيها.
أمي قالت وهي بتعيط
إنتِ كنتي بتصحي بالليل تصرخي باسم دينا. ماكنتيش بتاكلي. خسيتِ 12 كيلو. الدكتور النفسي قال لنا نبعد عنك أي صدمة جديدة.
قلت




