
العمدة قرب من المكتب، وحط كفه عليه بقوة.
“متسألنيش السؤال ده تاني.”
“هفضل أسأله… لحد ما ألاقي إجابته.”
العمدة أخد نفسً عميقً، وقال بصوت منخفض:
“إسمعني زين يا عز… من النهارده، ملكش أي علاقة بغزل.”
اتشدت ملامح عز.
“وده أمر؟”
“أمر.”
“ولو رفضت؟”
رفع العمدة عينه في عين ابنه.
“يبقى هتخليني أعمل حاجة عمري ما تمنيت أعملها.”
“إيه هي؟”
قالها العمدة ببطء، وكل كلمة كانت أثقل من اللي قبلها:
“هخرج غزل من الدار… ومش هتدخلها تاني طول ما أنا عايش.”
اتجمد عز مكانه.
عرف إن أبوه مش بيهدد… وإنه لو قال كلمة، هينفذها فعلًا.
وقبل ما يرد…
اتفتح باب المكتب من غير استئذان.
دخل الغفير منصور وهو بينهج، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… ملقناش ليها اي اث
عز سأل الغفير “فين غزل؟”
الغفير هز راسه.
“ملقينهاش… بس لقينا طرحتها مرمية عند الترعة..
والعمدة لأول مرة، اختفى لون وشه، وكأن الخبر أكد أسوأ حاجة كان خايف منها.
جري عز من قدامة ومستناش يقولة اي كلمة..
……..
كانت شوارع البلد غارقانة في سكون الليل، ظلام كثيف بيبتلع كل حاجة حواليه، لا يُسمع فيه غير نباح كلاب بعيد، وصوت الهوا وهو يشق زرع الذرة في الحقول كأنه بيهمس بسر محدش يعرفه.
كان عز بيجري بخطوات واسعة وسريعة، وكشاف تليفونه يشق العتمة يمين وشمال، بينما عينيه كانت بتفتش كل شبر قدامه بعين ظابط متعود يطارد المجرمين… لكن الليلة دي ماكانش بيدور على مجرم.
كان بيدور على قلبه.
دقات قلبه كانت عنيفة بشكل عمره ما حس بيه قبل كده. اشتغل في أخطر القضايا، وشاف الموت بعنيه أكتر من مرة، لكن الخوف اللي كان بياكله دلوقتي كان مختلف… خوف راجل حاسس إن أغلى إنسانة عنده ممكن تضيع منه.
همس باسمها، وصوته خرج مخنوق:
“غزل…”
لف حوالين سور السرايا القديم، وعينه ما بطلتش تدور في كل ناحية.
وفجأة…
لمح حركة خفيفة ورا بيت الطين القديم اللي جنب مخزن الغلة، المكان اللي محدش بيقرب منه بعد المغرب.
ضيق عينيه، ورفع الكشاف ناحية الحركة، وفي نفس اللحظة اتحرك بخطوات هادية وحذرة، وغريزة الظابط اللي جواه خلت إيده تستعد لأي خطر ممكن يقابله.
كل ما قرب…
كل ما قلبه كان بيدق أسرع.
ولما لف من ورا الركن…
وقف مكانه.
اتسمرت رجليه في الأرض.
غزل…
كانت قاعدة ورا كومة كبيرة من حطب القش، ضامة رجليها لصدرها، وساندة راسها على دراعاتها، وجسمها كله بيترعش من البرد والخوف، بينما شهقات عياطها المكتومة كانت بتقطع القلب.
في اللحظة دي…
نور الكشاف نزل من إيده، وانطفى.
والغضب اللي كان مولع جواه من ساعة ما عرف باختفائها… انطفى هو كمان.
فضل واقف يبصلها ثواني، قلبه بيتقطع وهو شايفها بالحالة دي.
نزل على ركبته قدامها بهدوء، ومد إيده ولمس كتفها برفق، كأنه خايف حتى لمسته توجعها.
وقال بصوت مليان حنان لأول مرة:
“بتعملي إيه إهنه يا غزل؟ إزاي قاعدة لوحدك في نص الليل والبرد ده؟”
رفعت راسها ببطء.
كانت عيونها حمرا من كتر البكا، ورموشها مبلولة، وشعرها مبعثر على وشها.
أول ما شافته…
انهارت.
بصتله بنظرة وجع، وقالت بصوت متكسر:
“أنا… أنا مقدرتش أفضل جوه السرايا… كل ما أسمع الزغاريد أحس إن كل حاجة انتهت… سمعتهم وهما بيقولوا إن الفرح خلص… وإنك بقيت راجل واحدة غيري… مقدرتش أشوفك معاها… ولا قدرت أستحمل إني أفضل قريبة منك وأنا ماليش حق حتى أبصلك.”
كل كلمة خرجت منها كانت بتغرس في قلبه.
بلع ريقه بصعوبة، وحس إن كل القوة اللي كان بيتباهى بيها طول عمره وقعت قدام دموعها.
رفع إيده ببطء، ومسح دمعة نزلت على خدها، وقال وهو بيحاول يثبت صوته:
“بصيلي.”
رفعت عينيها ليه.
قال بنبرة مليانة وجع ووعد في نفس الوقت:
“طول ما أنا عايش… محدش هيقدر يمسك بسوء، ولا هيقدر يكسرك. دي كلمة عز رجب.”
فضلت تبصله، وكأنها بتدور في عينيه على أمل تتمسك بيه.
مد إيده ناحيتها وقال بهدوء:
“قومي… تعالي معايا.”
بصت لإيده لحظة، وكأنها خايفة الحلم يختفي أول ما تلمسه.
وبعدين حطت كفها المرتعش جوا كفه.
شدها برفق لحد ما وقفت قدامه.
مشت جنبه في صمت.
كان بينهم مسافة صغيرة…
لكن جواهم كانت مسافة عمر كامل.
كانت حزينة… لأن الراجل اللي نفسها تمشي جنبه قدام الناس وهو جوزها، بقى من نصيب غيرها.
وفي نفس الوقت…
كان قلبها بيدق بفرحة صغيرة، فرحة حاولت تخبيها عن نفسها قبل أي حد.
يكفي إنه ساب عروسته في أول ليلة بعد الفرح…
ونزل يدور عليها هي.
في اللحظة دي، أدركت إن مكانها في قلبه أكبر بكتير من أي كلام اتقال…
لكنها كانت تعرف كمان إن الحب وحده، ساعات، ما بيكفيش عشان يجمع اتنين، لما الدنيا كلها تبقى واقفة بينهم.
#انجي_الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




