
شخص ما حدش في القاعة كان متوقع اسمه.
والد محمود.
رغم إنه مات من أربع سنين.
داليا همست:
“حتى بعد موته كانوا بيستخدموا اسمه.”
وبعدها بصت للضابط.
“الموضوع أكبر مما توقعنا.”
في المستشفى، كنت بدخل غرفة العمليات.
الطبيب قال:
“ندى، الطفل لازم يخرج دلوقتي.”
مسكت إيد الممرضة.
“هو هيعيش؟”
ابتسمت لي رغم القلق.
“هنعمل كل اللي نقدر عليه.”
بعد لحظات، بدأت العملية.
كنت سامعة أصوات الأطباء، لكن كل حاجة كانت بعيدة.
وفجأة…
سمعت بكاء صغير.
بكاء قوي.
بكاء خلاني أنفجر في العياط.
“ابني…”
الطبيب رفعه للحظة.
“ولد.”
غمضت عيني وأنا بضحك وسط دموعي.
كان صغيرًا جدًا.
لكن صوته كان قويًا.
قربوه مني ثواني.
لمست خده بإصبعي.
“أنا هنا.”
وبعدها أخدوه للحضانة.
قبل ما يخرج الطبيب من الغرفة، قال:
“هو محتاج رعاية مركزة، لكنه مستقر.”
تنفست لأول مرة من ساعات.
بعد ساعات، وأنا في غرفة المستشفى، دخلت داليا.
كانت شايلة ملف كبير.
بصت لي وقالت:
“إنتِ أنقذتي نفسك وابنك.”
ابتسمت.
“والعيلة؟”
وضعت الملف على الترابيزة.
“انتهت.”
رفعت حاجبي.
“بالسرعة دي؟”
هزت رأسها.
“لسه البداية.”
فتحت الملف قدامي.
“لقينا تحويلات، عقود مزورة، شركات وهمية، حسابات سرية، ورشاوى.”
وبعدين أضافت:
“لكن فيه حاجة أخطر.”
“إيه؟”
بصت في عيني.
“محمود كان عارف إنك بتراجعي الحسابات.”
قلبي اتقبض.
“يعني إيه؟”
“يعني حبسِك في الحمام ما كانش عشان الفرح.”
سكتت لحظة.
“كان عشان يمنعك من الوصول لملف معين.”
بصيت لها.
“أي ملف؟”
قالت:
“ملف فيه اسم الشخص اللي كان بيمول كل عملياتهم.”
فتحت الصفحة الأخيرة.
وشفت الاسم.
اتجمدت.
لأن الاسم ما كانش غريب عليا.
كنت شوفته قبل كده.
مش في حسابات الشركة.
ولا في المستندات.
على عقد جوازنا.
رفعت عيني لداليا.
“محمود مش هو الرأس.”
هزت رأسها ببطء.
“لأ.”
“أمال مين؟”
داليا قفلت الملف.
“الشخص اللي فوقه.”
وفي اللحظة دي، فهمت إن ليلة الفرح ما كانتش نهاية الكابوس.
كانت مجرد أول خيط في شبكة أكبر بكتير مما كنت أتخيل.
حكايات شروق خالد
بصيت لداليا وأنا مش قادرة أتكلم.
“الشخص اللي فوقه… مين؟”
داليا ما ردتش فورًا.
طلعت صورة من الملف وحطتها قدامي.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
“ده…”
هزت رأسها.
“أيوه.”
كان المستشار فؤاد الشناوي.
عم محمود.
الرجل اللي طول عمر العيلة بتتكلم عنه باعتباره صاحب النفوذ الأكبر، واللي الناس كانت بتقول إن علاقاته أقوى من أي قانون.
قلت بصوت منخفض:
“بس فؤاد مات من سنين.”
“ده اللي كانوا عايزين كل الناس تصدقه.”
فتحت داليا ملفًا تاني.
“شهادة الوفاة مزورة.”
سكتُّ.
“يعني هو عايش؟”
“عايش. وبيتحرك من مكان لمكان بأسماء مختلفة.”
حسيت بقشعريرة.
“ومحمود؟”
“كان مجرد واجهة.”
سألتها:
“وسيرين وحماتي؟”
“كانوا بيستخدموا حساباتهم لاستقبال وتحويل جزء من الأموال. التحقيق هيحدد مدى تورط كل واحدة فيهم.”
وبعدين قالت:
“لكن عندنا مشكلة.”
“إيه؟”
“فؤاد اختفى.”
بصيت لها.
“اختفى إزاي؟”
“أول ما عرف إن الشرطة وصلت للمزرعة، خرج من مكان آمن كان مستخبيه فيه.”
سكتت لحظة.
“ومحدش عارف هو فين.”
رجعت بذاكرتي لكل حاجة.
كل مرة محمود كان يطلب مني ما أسألش عن شغل العيلة.
كل مرة حماتي كانت بتقول إن “الفلوس دي جاية من استثمارات قديمة”.
وكل مرة كنت ألاقي تحويلات غريبة، كان محمود يطلب مني أقفل الكمبيوتر.
فجأة افتكرت حاجة.
“داليا.”
“أيوه؟”
“في حاجة.”
“إيه؟”
“قبل الفرح بأسبوع، محمود دخل المكتب وأنا كنت براجع ملفات الشركة.”
“ولما شافني، كان مرعوب.”
“قال إيه؟”
“قال لي: لو حصل لي حاجة، ماتفتحيش الدرج التاني.”
داليا اتغيرت ملامحها.
“درج إيه؟”
“درج مكتبي القديم.”
فتحت عينيها.
“فين المكتب؟”
“في بيتنا.”
وقفت فورًا.
“إحنا لازم نروح هناك.”
لكن قبل ما تتحرك، سمعت صوت جهاز المراقبة من غرفة ابني.
الممرضة دخلت بسرعة.
“دكتورة ندى؟”
“أيوه؟”
“الطفل محتاج دعم تنفسي أكتر.”
جريت ناحية الباب.
“هو كويس؟”
“النبض مستقر، لكن لازم نتابعه.”
وقفت قدام الحضانة وأنا شايفة ابني الصغير جوه.
كان جسمه ضئيل، وأنابيب صغيرة حوالين وشه.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
داليا وقفت جنبي.
“مش هسيبك لوحدك.”
بصيت لها.
“روحي.”
“إنتِ متأكدة؟”
“لو فيه دليل يوقع فؤاد، هاتيه.”
هزت رأسها.
“هارجع.”
بعد حوالي ساعتين، اتصلت بيا.
“ندى، إحنا في البيت.”
“لقيتوا الدرج؟”
سكتت.
“آه.”
قلبي دق بسرعة.
“وفيه إيه؟”
“حاجات لازم تشوفيها بنفسك.”
“قولي.”
“صور.”
“صور إيه؟”
“صور ليكي.”
اتجمدت.
“إزاي يعني؟”
“صور ليكي وأنتِ داخلة الشغل. صور من بيت أهلك. صور ليكي مع محمود.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“وفي صور لابنك قبل ما يتولد.”
قلبي وقف.
“مستحيل.”
“فيه حاجة تانية.”
“إيه؟”
“ورقة مكتوب فيها تاريخ.”
“تاريخ إيه؟”
قالت التاريخ.
كان نفس يوم دخولي المستشفى للولادة.
صرخت:
“داليا، ده كان مخطط!”
“أيوه.”
“كانوا عايزين يحصل إيه؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“في تسجيل صوتي.”
“شغليه.”
سمعت صوت محمود.
“لو ندى اكتشفت التحويلات، لازم نسكتها.”
وبعده صوت رجل أكبر سنًا.
صوت فؤاد.
“مش لازم تموت.”
صوت محمود:
“أمال؟”
فؤاد رد بهدوء:
“خلي الحادثة تبان طبيعية. والطفل يتولد قبل معاده.”
اتجمدت وأنا سامعة.
ثم قال:
“بعدها نتصرف في الاتنين.”
وقعت على الكرسي.
“كانوا عايزين يقتلوني أنا وابني.”




