
قال:
«مين اللي بيخبط الساعة دي؟»
أنا ما اهتمتش بيه.
فضلت باصة على وش مدام منى من خلال العين السحرية.
عمري ما كنت أتخيل إن الإنسان ممكن يوصل للوقاحة دي.
تاخد حاجتي. وتتفضح وهي بتاخدها.
وبدل ما تعتذر… تيجي لحد باب بيتي وتطلب مني أنا تفسير!
كأن أنا اللي غلطانة.
صوت الخبط زاد.
وكريم قرب من الباب.
قال:
«في إيه؟ دي الجارة؟»
وكان عايز يبص من العين السحرية.
أنا زقيته بعيد عن الباب، وقلت:
«متبصش. ادخل جوه وأنا هتعامل مع الموضوع.»
كريم بصلي بضيق:
«هو في إيه أصلًا؟ إنتِ من ساعة ما رجعتي وإنتِ غريبة. هو مش أنا سمعت صوت مدام سعاد بره؟»
قلبي نزل في رجلي.
ده جوزي. الراجل اللي عشت معاه تحت سقف واحد خمس سنين.
الراجل اللي المفروض يكون أكتر شخص واقف في ضهري.
وفي اللحظة دي… الست اللي واقفة بره كانت بتشتمني وبتقلل مني.
لكن الحاجة الوحيدة اللي كان كريم مهتم يعرفها: هو أنا اتخانقت مع مدام سعاد ولا لأ؟
ما كانش بيسألني: إيه اللي حصل؟ ولا: ليه طردتيها؟ ولا حتى: هي عملت إيه؟
ما كانش عندي وقت أشرح له.
صوت الخبط كان جذب انتباه الجيران في الأدوار اللي فوق وتحت.
سمعت أبواب بتتفتح، ومهامس ناس بتتكلم.
لو الموضوع فضل كده… الفضيحة هتبقى فضيحتي أنا.
مديت إيدي وفتحت الباب.
وفجأة قوة خبطت في الباب خلتني أترنح خطوة لورا.
واضح إن مدام منى ما كانتش متوقعة إني أفتح فعلًا.
اتلخبطت وكادت تقع على جوزها.
وبعد ما استقرت، رجعت تهاجمني وقالت:
«أخيرًا فتحتي! أنا افتكرتك هتفضلي مستخبية ورا الباب طول عمرك!»
وراها، كانت مدام سعاد واقفة ورأسها واطي، وكتافها بتتهز مع كل شهقة بكاء.
المنظر كان عامل كأنها هي اللي اتظلمت ظلم العمر.
بصيت لها، وفجأة حسيت إني عايزة أضحك من كتر العبث.
الست اللي فضلت سنة كاملة بتمثل في بيتي… دلوقتي واقفة قدام باب الجيران بتمثل دور تاني.
جوز مدام منى، الحاج محمود، بصلي بتكبر وقال:
«إنتِ سارة؟»
قلت: «أيوه.»
قال: «مراتى نيتها كويسة، وكانت بتحاول تساعد مدام سعاد وتخفف عنها شغلها. بدل ما تشكريها، تقومِ تطردي الست؟ إنتِ مش ضيقة الأفق زيادة عن اللزوم؟»
أنا ضحكت من الصدمة!
تخفف عنها شغلها؟ يعني تستخدم أكلي وتأخد حاجتي، وبعدين تقول إنها بتساعد المربية اللي أنا بدفع لها عشرين ألف جنيه؟!
دي كانت أكتر جملة وقحة سمعتها في حياتي.
في اللحظة دي، كريم خرج هو كمان.
أول ما شاف الناس واقفة، وقف مكانه، وبعد ثواني اتفاجئت إنه عرف الراجل.
قال: «أستاذ محمود؟ مدام منى؟ إيه اللي حصل؟»
محمود بص لكريم، وكريم بسرعة قدم له نفسه: «أنا كريم، ساكن في الدور اللي فوقكم. اتقابلنا قبل كده في مؤتمر… دي صدفة جميلة جدًا.»
ابتسامته كانت مليانة مجاملة. أنا بصيت له وحسيت بغثيان.
محمود أخد الكارت منه، وبعدها حطه في جيبه وقال بنبرة متعالية:
«آه، افتكرتك. بما إننا جيران، يبقى إنت اللي لازم تحكم بيني وبين مراتك النهارده. مدام سعاد من أحسن الناس، لكن مراتك بكل بساطة قررت تطردها!»
وش كريم اتغير شوية، ومد إيده مسك دراعي وهمسلي:
«سارة، هو إيه اللي حصل بالظبط؟ اعتذري لمدام منى ولمدام سعاد وخلاص. إحنا كلنا جيران، ما تكبريش الموضوع.»
اعتذر؟! أنا أعتذر لهم؟!
بصيت لكريم للراجل اللي كنت فاكرة في يوم من الأيام إني أقدر أسلمه حياتي كلها.
وفي اللحظة دي، وشه بقى غريب عني بشكل مخيف لدرجة إني سألت نفسي: هو أنا فعلًا كنت أعرف الراجل ده؟
الفصل الثالث
فضلت باصة لكريم ثواني طويلة، وبعدين بصيت لمدام منى، ولمدام سعاد، وللحاج محمود.
كلهم كانوا مستنيين مني كلمة واحدة: اعتذار.
لكن بدل ما أعتذر… ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا وقلت:
«حاضر.»
كريم تنفس براحة، مدام منى رفعت حاجبها بانتصار، ومدام سعاد مسحت دموعها بسرعة.
لكن أنا كملت: «هعتذر. بس مش دلوقتي.»
وش كريم اتغير وقال: «سارة، بلاش عناد.»
بصيت له بهدوء: «أنا مش بعاند يا كريم. أنا بس عايزة أفهم حاجة: إنت ليه بتطلب مني أعتذر قبل ما تعرف أصلًا أنا طردت مدام سعاد ليه؟»
سكت. مدام منى تدخلت بسرعة: «ما إحنا عارفين! هي أكلت شوية أكل من بيتك.»
ضحكت: «شوية أكل؟ إنتِ بنفسك قلتي إن جوزك بيكسب مئات الآلاف، يبقى أكيد مش الأكل هو المشكلة!»
وشها احمر وقالت بعصبية: «أمال المشكلة إيه؟»
بصيت لها وقلت: «مش عارفة. بس واضح إنك عارفة أكتر مني.»
سكتت لثانية واحدة بس، لكن الثانية دي كانت كفاية.
أنا لاحظت، مدام سعاد لاحظت، وكريم كمان لاحظ.
لكن الحاج محمود قطع الصمت: «خلاص، إحنا مش جايين نتخانق. مدام سعاد اتظلمت وعايزين نحل الموضوع بهدوء.»
قلت: «مفيش مشكلة. الموضوع بسيط جدًا؛ مدام سعاد اتفصلت من شغلي، وده قرار يخصني أنا.»
مدام منى انفجرت: «إنتِ فاكرة نفسك صاحبة البيت والعمارة؟»
قلت: «لأ، أنا صاحبة بيتي بس. لكن بما إنكم جيتوا لحد بابي الساعة 11 بالليل… يبقى أكيد الموضوع أكبر من مجرد طبق شوربة.»
وش مدام سعاد اتغير، وبصت لمدام منى.
وهنا بدأت أشك. الشك اللي كان عندي من ساعة ما شفتها في الأسانسير تحول لحاجة أكبر.
بصيت لسعاد وقلت: «على فكرة، أنا ما سألتكيش سؤال مهم… إنتِ ليه كنتِ بتاخدي الأكل عند مدام منى؟»
قالت بسرعة: «والله يا مدام أنا…»
قاطعتها: «استني. أنا مش بسأل عشان أزعق، أنا بس عايزة أعرف؛ هو كل يوم كنتِ بتنزلي عندها؟ كام مرة في الاسبوع؟»
صمتت. كريم قال: «سارة، كفاية.»
بصيت له: «كفاية إيه؟ أنا لسه ما بدأتش أصلًا!»
وقبل ما حد يرد… سمعنا صوت من داخل شقة مدام منى. صوت طفل كان بيصرخ: «ماما! ماما تعالي بسرعة!»
مدام منى اتجمدت، والحاج محمود لف ناحية شقته، لكن مدام سعاد جريت للداخل.
أنا دخلت وراها من غير ما أستأذن.
أول حاجة شفتها كانت السفرة، طبق الفاكهة، والحلة.
لكن على الأرض جنب الكنبة… كان فيه ظرف أبيض مفتوح ومنه واقع شوية أوراق.
مدام سعاد جريت ناحية الطفل، لكن أنا انحنيت والتقطت ورقة.
لما عيني وقعت على الاسم… حسيت بقلبي وقف.
الاسم كان: أمير (ابني).
بصيت للورقة مرة تانية، وكان مكتوب عليها: «تقرير تقييم سلوكي وتطوري للطفل.»
اتجمدت… إيه اللي جاب تقرير ابني عندهم؟!
رفعت عيني ناحية مدام سعاد. هي كانت واقفة ووشها أبيض.
قلت: «التقرير ده إيه؟»
مدام منى جريت ناحيتي وخطفته من إيدي: «مالكيش دعوة!»
ضحكت من الصدمة: «ماليش دعوة؟ ده تقرير ابني!»
كريم دخل في اللحظة دي، شاف الورقة، وشه اتغير. بص لمدام منى، وبعدين لسعاد وقال: «سارة…» صوته كان غريب: «اديني الورقة.»
قلت: «ليه؟ عشان أفهم.»
مدام منى بدأت تتوتر، والحاج محمود قال: «خلاص، الموضوع كبر.»
بصيت له: «لا، لسه بيبدأ.»
مسكت موبايلي وصورت الورقة، وقلت: «بكرة الصبح هروح للدكتور اللي عامل التقرير ده.»
مدام منى قالت بسرعة: «ما تروحيش!»
وقفت وبصيت لها: «ليه؟»
سكتت ثم قالت: «لأن التقرير ده مش حقيقي.»
قلت: «مين قال إنه مش حقيقي؟»
هنا… مدام سعاد انهارت، وقعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط وقالت:
«أنا آسفة يا مدام سارة. أنا كنت عايزة أقولك، بس هما قالولي لو اتكلمت…» وسكتت.
قربت منها: «قالولك إيه؟»
رفعت عينيها ونظرت لي والخوف واضح فيها:
«قالولي إنهم هيخلوا ابنك يتاخد منك… قالولي إنهم هيعملوا تقرير إنك مش مهتمة بابنك، وإنك طول الوقت في الشغل، وإن ابنك متأخر في الكلام والتصرفات وإنه محتاج رعاية خاصة!»
بصيت لكريم. كان ساكت… ساكت تمامًا.
وهنا سألته السؤال الوحيد: «كريم… إنت كنت تعرف؟»




