عام

صحيت من النوم

للتسجيلات…
وللورق اللي جوزي كان مستعجل يخليني أمضيه.
لكن أكتر حاجة …
إن عماد قبل ما يخرج من ، قرب مني وقال بصوت واطي:
“مدام سلمى… الراجل اللي قطع الفرامل مش هو اللي كان بيحرك كل حاجة.”
سكت لحظة.
وبص ناحية كريم.
“وهو موجود هنا في المستشفى.”
#انجي_الخطيب
الأوضة اتهزت بالسكوت، سلمى بصت لنهى بذهول، المحامية اللي كانت بتعتبرها اختها وسرها، واقفة إيدها . عماد كمل بثبات: “أنا شفتك بعيني واقفة مع الراجل اللي نزل تحت العربية في الجراج، سلمتيه كيس أسود قبل ما تخرجي، وكنتِ بتكلمي كريم في التليفون وتقوليله: كل حاجة جاهزة.” كريم ، صرخ بصوت هيستيري وهو بيهجم على عماد: “أنت تقول إيه؟ أنت مين أصلاً عشان تتبلى علينا؟” بس قبل ما كريم يلمس عماد، عماد لَفّ إيده وثبته على الحيطة في ثواني، كأنه راجل متدرب على أعلى مستوى.

في اللحظة دي، اتفتح الباب بقوة ودخل ظابط المباحث ومعاه اثنين أمناء شرطة، الظابط بص للمشهد بهدوء وقال: “نزله يا عماد.. الكاميرات جابت كل حاجة من جراج وسط البلد لحد هنا.” نهى حاولت تلف وترجع لورا عشان ، بس أمين الشرطة كان أسرع وقفل عليها السكة. كريم كان بيتصنع الذهول : “يا باشا ده افتراء! أنا جوزها ومستحيل !” لكن الظابط طلع من جيبه مظروف شفاف ورماه على ترابيزة الكشف، وقال بنبرة حسم: “المكالمات المسجلة بينك وبين نهى من الأسبوع اللي فات، وتقرير فحص عربيتك، وإقرار الفني اللي قطع .. كل ده مع النيابة دلوقتي. غير المنوم الشديد اللي الممرضة اعترفت إنك أديتهولها عشان تحطه في المحلول.”

سلمى حست إن قلبها بيتخلع من مكانه، الدموع نزلت من عينها بتكتكة بطيئة وصدمة شلت لسانها، بتفكر في كل كلمة حلوة قالها لها كريم، وفي كل حضن دافي كان بيمثل فيه الحب وهو بيرتب لموتها عشان يورث عمارات أبوها وفلوس الشركة. الظابط شاور لأمناء الشرطة، وكلبشوا إيد كريم ونهى. كريم وهو بيتسحب لبرة بصلها بنظرة غل وشر وقال بصوت واطي: “مش هسيبك يا سلمى.. كل ده بتاعي أنا!”

الباب اتقفل وراهم، والصمت رجع يخيم على ، ما فضلكِش غير دقات جهاز القلب اللي بدأت تهدى بالتدريج. عماد قرب من السرير، وبص لسلمى بهدوء وقالها بصوت واطي فيه حنية وأمان: “حمد لله على سلامتك يا مدام سلمى.. كان صاحبي وجدع معايا زمان، وأنا قطعت عهد على نفسي أنقذك منهم من يوم ما بدأت أراقب كريم وعرفت بنيته.” سلمى أخدت نفس طويل، وعينها المليانة دموع بصت للسقف، حست لأول مرة ببرودة الخيانة.. وبدء حياة جديدة اتكتبت لها من جديد.

مرت ثواني تقيلة زي الجبل، الأوضة فاضية ومفيش فيها غير صوت أجهزة المستشفى الهادي وصوت نفسي اللي طالع بالعافية. بصيت لعماد بذهول، عقلي بيحاول يجمع الخيوط المقطعة الكلمات اللي قالها عن أبويا.
“أبويا؟ أنت كنت تعرف أبويا منين يا عماد؟”
عماد هز راسه بنفي وقرب من السرير أكتر: “كريم ونهى المحامية كانوا مجرد عرايس ماريونيت، أجساد بتتحرك بالفلوس. كريم كان غرقان في ديون قمار وبلاوي سودة، ونهى هي اللي دلته على السكة عشان تاخد من العمارات.. بس اللي خطط، واللي دفع، واللي بوّظ عربية أبوكِ زمان، هو نفس الشخص اللي كان بيحرك كريم.”
وفجأة… الصوت رجع يرن في ودني زي صدى .
الصوت الخشن الهادي اللي سمعته من بلوتوث العربية قبل ما الفرامل تفصل بثواني: “إنتِ فاكرة نفسك شاطرة يا مدام؟ عارفة أنا مين؟”

ملامح عماد اتحولت للصرامة، عينيه صغرت ونظرته بقت حادة زي السيف. حط إيده على حافة السرير ووطى صوته للهمس: “ده الراجل اللي أنا مستنيه يظهر من تمان شهور يا سلمى.. الشريك المستتر في شركة المقاولات. الراجل اللي اشترى ديون كريم وبقى يبتزه عشان يخليه يصفيكي ويجيبله توكيل العمارات.”
في نفس اللحظة، خبط خفيف ورزين خبط على الباب، واكرة الباب بدأت تلف ببطء شديد…

الباب اتفتح ببطء شديد، ودخل منه راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة كحلي شيك، شعره أبيض مظبوط، وعلى وشه ابتسامة هادية كلها حزن متصنع، ومماسك في إيده بوكيه ورد أبيض كبير.
كان الباشمهندس طارق… الشريك الكبير في شركة المقاولات بتاعت بابا، والراجل اللي طول عمري بكنّله احترام وبناديه “عمي طارق”.
خطى جوة برزانة وقرب من وهو بيقول بصوت متأثر:

الصوت.
هو ده! نفس النبرة الخشنة، الباردة، اللي ملهاش رحمة. الصوت اللي طلع من سماعات العربية قبل ما الفرامل تفصل ويهددني!
الكلمات اتعادت في ودني زي صدى صوت مرعب: “إنتِ فاكرة نفسك شاطرة يا مدام؟”
أظافري انغرست في ملاية ، ونفسي بقى سريع ومكتوم، ومش قادرة أطلع كلمة واحدة من الصدمة.
عماد وقف ببطء من على الكرسي، حط إيديه في جيوبه، وبص لطارق بنظرة حادة وباردة. طارق حط بوكيه الورد على الترابيزة وبص لعماد باستغراب متصنع، كأنه بيتفحص راجل غريب واقف في غير مكانه:
“مين الأستاذ؟”

عماد ابتسم ابتسامة خفيفة كلها تحدي وقال بصوت هادي:
“أنا اللي طفيت حريق عربية الأستاذ توفيق الله يرحمه من تمان شهور يا باشمهندس… وأنا برضه اللي لحقت سلمى النهاردة قبل ما تروح لأبوها.”
وش طارق اتغير في أقل من ثانية. الابتسامة المرسومة اختفت، وظهر مكانها نظرة ساقعة زي التلج. بص لعماد بجمود وقال:
“أنا مش فاهم أنت بتقول إيه، وأسلوبك ده مش مريح… فين كريم جوزها؟”
عماد رد بثقة وثبات:

“كريم زمانه بيمضي إقراره في النيابة دلوقتي… هو والأستاذة نهى المحامية.”
طارق سكت، بلع ريقه ببطء، وعينيه راحت ناحيتي. شاف النظرة اللي في عيني، نظرة الفهم والكره، فرجع بص لعماد ونبرة صوته اتغيرت تمامًا… بقت هي نفس النبرة اللي سمعتها في العربية، وقال بصوت واطي:
“فاكر نفسك بطل يعني يا جدع أنت؟ كريم ونهى دول مجرد عيال أغبية، فاكرين إنهم بيلعبوا معايا… والورق اللي معاك مش هيقدم ولا يأخر.”

عماد قرب منه خطوة، وبقى الوش في الوش:
“يمكن الورق لوحده ما يفرقش… بس تسجيل الكاميرا اللي صور عربيتك وأنت بتقدم الفلوس للفني في جراج الشركة، وغير المكالمات اللي المباحث فرغتها، هيخليك بقية عمرك ورا الشمس.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات ثقيلة في الممر برة، وباب اتفتح تاني ودخل ظابط المباحث ومعاه نوبتجية الشرطة. طارق أدرك إن الشبكة اتقفلت عليه تمامًا. التفت لباب ببطء، وقبل ما الظابط يحط الكلبشات في إيده، بصلي بنظرة أخيرة مليانة غل وقال:

“أبوكِ مات وهو فاكر إنه يقدر يوقفني… بس أنتِ للأسف طلعتِ أذكى منه يا سلمى.”
اتسحب طارق لبرة، والصمت رجع تاني للأوضة. بصيت لعماد وأنا باخد نفس طويل وعميق لأول مرة من ساعات، حاسة إن الكابوس أخيراً بدأ ينتهي.

أنا كنت قاعدة على ، جسمي كله بيرتعش، وعقلي مش قادر يستوعب الصدمة. كل الناس اللي آمنت بيهم واعتبرتهم ظهري وسندي—جوزي، محاميتي اللي زي اختي، وعمي طارق اللي مربيني—كانوا بياكلوا في لحمي وبيرتبوا بدم بارد.
عماد مسح جبهته بتعب، وقرب من ببطء. نبرة صوته الحادة اتغيرت تمامًا وبقت دافية وهادية وهو بيقول: “غالية يا مدام سلمى.. لما بيعرف الحقيقة بيبكي، بس بكاه ده بيكون بداية الشفاء.”
أخدت نفس  نازلة بتكتكة على خدي، قلت بصوت : “أنا كنت عايشة في كذبة يا عماد.. تمان شهور وأنا بحضن وبفتكر إنه بيخاف عليا!”

عماد ابتسم ابتسامة هادية فيها رضا وقال: “المهم إن الحق رجع لأصحابه، وأن ربنا نجاكي عشان تكمّلي. الأستاذ توفيق الله يرحمه كان دايمًا يقوللي: الجدعنة مش إنك ما تقعش، الجدعنة إنك لما تقع، تقوم وتقف على رجليك تاني أشد من الأول.”
مد إيده في جيب جاكيته ، وطلع فلاشة فضية صغيرة حطها على الترابيزة جنب . بصيت لها باستغراب، فكمل هو بهدوء: “دي عليها نسَخ من كل التسجيلات والورق اللي يرجعلك ملكية الشركة والعمارات كاملة.. وفيها كمان فيديو أبوكِ سجله قبل حادثته بيومين، كان حاسس بغدرهم وسابه معايا ، وقاللي ما  إلا لما إنك في أمان.”

قلبي اتفض، وحسيت  نازلة وأنا بمد إيدي وبمسك الفلاشة بضغط جامد وكأني بمسك إيد أبويا.
عماد خطى ناحية الباب، وقبل ما يمسك الأكرة، التفتلي وبصلي بوقار: “أنا أديت  المستشفى، والمحامي الجديد اللي مسك  زمان هيجيلك الصبح يخلص كل الإجراءات.”
“عماد!” ناديت عليه بلهفة قبل ما يخرج.
وقف وبصلي.

بلعت ريقي وقلت بنبرة طالعة من أعماقي: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنت أنقذت حياتي ورجعتلي .”
هز راسه باحترام وقال: “أنا ما عملتش غير اللي يرضي ربنا ويرد جميل أبوكِ عليّ.. خدي بالك من نفسك، ومن النهاردة، ما تديش أمانك لحد بسهولة تاني.”
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى