
أنا بصيت له.
ـ علياء إيه؟
ـ مكنتش متخيل إنها هتقول كده.
ـ كنت متوقع تعمل إيه؟
ـ تعيط… تزعق… تكرهني.
ـ وهي لما سامحتك كان ده يضايقك؟
ـ مش سامحتني.
ـ أمال؟
كارم بص من الشباك.
ـ هي خلصت الموضوع.
الجملة دي خلتني أسكت.
لأن ابني لأول مرة فهم إن فيه فرق بين إن حد يزعل منك وإن حد يقرر يكمل حياته من غيرك.
وصلنا البيت.
أول ما دخل، أمه جريت عليه.
ـ حصل إيه؟
كارم ما ردش.
بصت لي.
ـ محمود؟
قلت:
ـ مفيش خطوبة.
اتصدمت.
ـ يعني إيه؟
ـ زي ما سمعتي.
كارم دخل أوضته وقفل الباب.
أمه وقفت قدامي.
ـ إنت عملت إيه؟
ـ أنا؟
ـ أيوه.
ـ أنا اللي ربيته على إنه يتجوز علياء.
ـ وإنت كنت فاكر إنه لسه طفل؟
الكلمة وجعتني.
ـ يمكن.
قعدت على الكرسي.
ـ يمكن أنا نسيت إنه كبر.
في نفس الوقت، داخل أوضته، كارم فتح موبايله.
لقى رسالة من نورهان: “أنا رجعت البيت. لما تهدى ابقى كلمني.”
فضل يبص للرسالة فترة.
وبعدين فتح محادثة قديمة مع علياء.
كانت آخر رسالة منها من شهرين: “بابا قال إننا هنحدد معاد قريب. مبروك يا كارم.”
هو وقتها شاف الرسالة وما ردش.
دلوقتي فضل يبص لها.
كتب: “أنا آسف.” ومسحها.
كتب: “حقك عليا.” ومسحها.
كتب: “مكنتش أقصد أوجعك.” ومسحها.
وفي الآخر قفل الموبايل.
لأنه اكتشف إن مفيش جملة تقدر تصلح حاجة هو سابها تكبر سنين.
أما عند سالم، فبعد ما الناس مشيت، البيت كان هادي بشكل غريب.
الدهب اتحط في العلبة، التورتة اتشالت، والزينة فضلت معلقة، والكراسي الفاضية كانت أكتر حاجة بتوجع.
علياء كانت بتلم الأطباق.
سالم دخل المطبخ وقال:
ـ سيبي ده كله.
ـ عادي يا بابا.
ـ علياء.
ـ نعم؟
ـ إنتِ كويسة؟
ابتسمت.
ـ لأ.
سالم دمعت عينه.
ـ طب ما تقوليش كويسة.
ـ عشان لو قلت إني كويسة هكدب عليك.
قرب منها.
ـ أنا آسف.
ـ على إيه؟
ـ إني خليتك تستني كل السنين دي.
ـ أنا كنت فاكر إني بأمّن مستقبلك.
ـ عارفة.
ـ ومفكرتش أسألك.
ـ عارفة.
ـ سامحيني.
علياء حطت الطبق على الترابيزة.
ـ مسامحاك يا بابا.
ـ بجد؟
ـ آه.
ـ طب ليه حاسس إنك بعيدة؟
علياء بصت له.
ـ عشان في حاجات لما بتتكسر، حتى لو سامحت اللي كسرها، بتحتاج وقت عشان ترجع زي الأول.
سالم حضنها.
ولأول مرة من بداية الليلة، علياء عيطت بصوت عالي.
مش عشان كارم، ولا عشان الخطوبة، لكن كانت بتعيط على سنين كاملة عاشت وهي فاكرة إن مستقبلها مكتوب لها، وفجأة اكتشفت إن حياتها لازم تبدأ من جديد.
وفي اليوم التالي، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
علياء راحت شغلها عادي.
دخلت مكتبها، حطت شنطتها، وبدأت تشتغل.
زميلتها سألتها: “إنتِ مش كنتِ هتتخطبي امبارح؟”
علياء ابتسمت: “كان المفروض.”
ـ حصل إيه؟
ـ النصيب قال لأ.
ـ إنتِ كويسة؟
ـ هبقى كويسة.
وفي نفس اليوم، كارم راح شغله.
نورهان كانت في المكتب، لكنه أول ما شافها وقف مكانه.
هي قالت: “محتاجين نتكلم.”
قعدوا في مكان هادي.
نورهان قالت: “أنا بحبك، بس مش عايزة أتجوزك وإنت لسه شايل إحساس بالذنب ناحية علياء.”
كارم اتوتر: “أنا مش بحبها.”
ـ أنا مصدقاك.
ـ طب المشكلة إيه؟
ـ المشكلة إنك عملت حاجة كبيرة امبارح.
ـ عارف.
ـ وأنا مش عايزة أبدأ حياتي معاك وإحنا بنهرب من اللي حصل.
ـ لو إحنا هنتجوز، لازم الأول ترتب اللي وراك.
ـ أرتب إيه؟
ـ علاقتك بأبوك، وبعيلتك، وبنفسك. وبعدين نشوف.
خرج كارم من عندها وهو لأول مرة مش عنده حل سريع.
في المساء، رجع البيت، لقى أبوه قاعد لوحده.
ـ بابا.
ـ اقعد.
قعدوا ساكتين فترة، وبعدين كارم قال: “أنا آسف.”
ـ على إيه؟
ـ على الطريقة اللي عملت بيها كل حاجة.
ـ أنا مش هطلب منك تحب علياء، ولا هطلب منك تتجوزها، لكن هطلب منك حاجة واحدة: لما تكبر وتبقى راجل، اتحمل نتيجة قراراتك. لو بتحب نورهان، روح لها من الباب، ولو مش مستعد، متظلمهاش.
ـ حاضر.
ـ وعلياء؟
ـ علياء خلاص، سيبها تعيش.
ـ بابا، ممكن نروح لها عشان أعتذر لها؟
ـ اعتذر لو عشان ترتاح أنت، بلاش.. أما لو عشان هي تستحق تسمع اعتذاري، فـ بكرة.
وفي اليوم التالي، رحنا بيت سالم.
كارم وقف قدام علياء وقال: “أنا جاي أعتذر.”
ـ اعتذارك مقبول.
ـ حتى قبل ما أقول؟
ـ عشان عارفة إنك ندمان.
ـ أنا فعلاً ندمان على كل مرة سكت فيها.
ـ دي أكتر حاجة وجعتني. بس خلاص.
ـ عايز أسألك سؤال: إنتِ فعلاً مش زعلانة مني؟
ابتسمت علياء: “زعلانة.. بس الزعل مش معناه إني عايزة أرجع لك.”
ـ فهمت.. وأنا أتمنى لك الخير.
ـ وإنت كمان.
خرج كارم من البيت وهو ساكت، وأنا ماشي جنبه حسيت إن ابني اتغير في يومين.. مش لأنه خسر خطوبة، لكن لأنه لأول مرة فهم إن الاختيار مسؤولية، وإن السكوت أحيانًا بيكون قرار.
بعد شهرين، علياء بدأت ترفض أي حد يتقدم لها مش بسبب وعد، بل كانت بتقول لأبوها: “لما ييجي الشخص المناسب، أنا هقول لك بنفسي.” وسالم كان يبتسم: “خلاص يا بنتي، المرة دي القرار قرارك.”
أما كارم ونورهان فاستنوا وفهموا إن بناء بيت محتاج صراحة من البداية.
وبعد سنة تقريبًا، كنت قاعد مع سالم، وفي اللحظة دي عربية وقفت قدام البيت، نزلت منها علياء ووراها شاب في سنها دخلت وهي بتضحك وقالت: “بابا، عمي محمود.. عايزة أعرفكم على حد، ده حسام.”
سالم ابتسم وقال: “المرة دي، إنتِ اللي اخترتي؟”
ـ أيوه، بس قبل أي حاجة.. مفيش وعود.
ضحكت علياء: “بالضبط.”
ومن يومها، فهمنا كلنا إن العيلة مش بتفضل عيلة عشان كل واحد ينفذ وعد قديم، بل لما تحترم اختيارات بعض، وتعرف إمتى تتمسك وإمتى تسيب، وإمتى تقول “أنا غلطت” من غير ما تدور على مبررات.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




