روايات وقصص

عيب خلقي بقلم انجي الخطيب

بنتي كانت بتحاول تكون قوية، لكنهم حاصروها، وبعضهم أخذ شنطتها وودوها لحد الحمام وقفلوا الباب عليها.
قعدت بنتي لوحدها على أرض الحمام، ودموعها بتنزل في صمت.
فضلت تردد كلامي في ودانها:
“إنتِي أحلى بنت في الدنيا… إنتِي قوية… ومتخافيش.”
لكنها المرة دي همست لنفسها:
“يمكن ماما كانت غلطانة… يمكن أنا فعلًا مش زيهم.”
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة…
والمدرس اللي كان متابع حالتها دخل وطبطب عليها، وأخدها على مكتب المديرة عشان يطمنها، وفي نفس الوقت اتصل بي عشان أجي للمدرسة فورًا.
#انجي_الخطيب
وصلت المدرسة وجريت على مكتب المديرة، ودخلت أطمن على بنتي وأخدتها في حضني، ولقيت الإدارة والمدرسين بيتدخلوا بحسم لدعمها ومنع أي سلوك سيء، وتم اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة ضد الطالبات اللواتي تسببن في إزعاجها، وقدمت المدرسة اعتذاراً رسمياً ومناسباً ليها.
البوليس جه لإثبات الحالة وحماية حقوق الطفلة بالتعاون مع إدارة المدرسة، والمواقف دي أثبتت لكل اللي حوالينا إن التنمر مرفوض تماماً وإن حق بنتي محفوظ بالقانون والأصول.

وأنا طالعة من باب المدرسة وماسكة إيد بنتي في حضني، بصيت للناس اللي تجمعت بره، ولأول مرة مكنتش خايفة من نظراتهم، مكنتش مستخبية. بنتي رفعت رأسها وبصتلي وقالتلي بصوت ثابت هادي: “ماما.. أنا مش خايفة تاني، وأنا بجد قوية زي ما بتقوليلي.”
مسحت دموعي وابتسمت لها بقلب قوي وقلت لها: “أنتِ مش بس قوية يا حبيبتي.. أنتِ اللي علمتيني أكون شجاعة.” ومن اليوم ده، أدركت إن بني آدم مش بإيديه ولا برجله.. بني آدم بقلبه، وبنتي كان عندها قلب يهد جبال.
تاني يوم، الدنيا كلها كانت بتتكلم عن إرادة الطفلة وشجاعتها، والمسؤولين في الإدارة التعليمية اهتمامهم زاد بيها، وجاتلنا أوراق نقل بنتك لأكبر مدرسة تجريبية في المنطقة، مدرسة مجهزة بالكامل ومدرسين متدربين على أعلى مستوى، وبمنحة كاملة لحد ما تتخرج، وده أقل حق ليها ولشجاعتها.
الدموع تجمعت في عيني، ومبقتش عارفة أقول إيه، ردت بنتي من ورايا بصوت ثابت وواثق: “شكراً يا أستاذ.. بس أنا عايزة أسأل حضرتك سؤال.. البنات اللي ضايقوني في الفصل، هيحصلهم إيه؟”
المدير نزل على ركبته عشان يبص في عينيها وقال بجدية: “كل بنت شاركت في الأذية تم توجيهها لبرنامج تهذيب وسلوك مع أخصائيين نفسيين، واعتذروا قدام المدرسة كلها في الطابور.. حقك يجيلك لحد عندك يا حبيبتي.”
اللحظة دي كانت هي الفاصل الحقيقي. بنتي مش بس أخدت حقها، دي حسّت لأول مرة إن ليها قيمة، وإن حظها في الدنيا مش قليل ولا هي مكسورة.
بعد أسبوع، وقفنا سوا قدام باب المدرسة الجديدة. المكان كان مختلف تماماً؛ المدرسين واقفين يستقبلوها بابتسامة، والأطفال في الحوش بيبصوا لها بفضول بس من غير لؤم ولا سخرية.
بنتي وقفت لحظة قبل ما تعدي البوابة، بصت لإيديها المبتورة، وبعدين بصتلي بثقة وقالت: “ماما.. ما تمشيش معايا لحد الفصل، أنا هعرف أمشي لوحدي.”
سيبت إيدها وقلبي كان بينبض بفرحة وخوف في نفس الوقت، بس لما شفتها ماشية بخطوات ثابته، ورافع رأسها للسما، عرفت إن الخوف اللي عشته كل السنين اللي فاتت مات خلاص.
مرت السنين، وبنتي أثبتت إن الإرادة أسرع وأقوى من أي ظروف. تعلمت تكتب برجلها بمهارة تذهل أي حد، ودخلت مسابقات رسم وفازت بالمراكز الأولى، وكل ما حد كان يسألها: “إزاي بتعملي كل ده؟” كانت بتبتسم وتقول: “أمي علمتني إن القوة مش في الإيدين.. القوة جوه قلبك.”
وأنا كل ليلة، لما بأدخل أوضتها وأشوفها نايمة والابتسامة على وشها، بفتكر اليوم اللي أبوها سابنا فيه وقال إنه مش عايزنا، وبحمد ربنا وبقول لنفسي: “هو خسرك يا حبيبتي.. بس أنا كسبت الدنيا كلها بيكي.”
ومع دخول بنتي مرحلة المراهقة، كنت فاكرة إن الأصعب عدى خلاص، لكن الحياة كانت محضرة لنا تحدي جديد من نوع تاني خالص.
في يوم، كنت قاعدة في البيت وبحضر الغدا، وفجأة الباب خبط. فتحت، ولقيت قدامي راجل شكله متغيّر، وشوشته الشيب، وهدومه باين عليها التعب. وقف يتأمل في وشي ثواني، ودب في صدري نفس الخوف القديم.. كان هو. طليقي.. أبو بنتي اللي رمانا من أربعة عشر سنة وكأنه بيسيب حمل تقيل على قلب السكك.
وقف يبصلي، وصوته طالع بالعافية: “أنا أسف يا أم بنتي.. أنا جاي ونفسي أشوفها.. أنا مرضت وعرفت إن ربي بيخلص مني اللي عملته فيكم.”
جسمي كله اتشد، ولساني اتعقد من الصدمة، بس قبل ما أنطق بكلمة واحدة أو أطرده زي ما كنت بحلم أعمل كل السنين دي، سمعت صوت خطوات بنتي جاية من ورايا.
بنتي خرجت، كانت بقت شابة جميلة، ملاك يمشي على الأرض بضحكتها الشجاعة. وقفت جنبي، وبصت للراجل الغريب اللي واقف على الباب. هو أول ما شافها، نظرة الندم والكسرة في عينيه كانت واضحة، انحنى على ركبه قدامها ونزلت دموعه وهو بيمد إيده يلمس طرف هدومها: “سامحيني يا بنتي.. أنا أبوكي اللي ظلمك، بس ربنا عقابني وأنا جاي أطلب منك الصفح.”
أنا كنت بتهز من جوايا، ومستنية أسوف بنتي هتتأثر ولا هتصرخ فيه.. بس بنتي ثبتت، وبصت له بهدوء شديد وعقل يسبق سنها بمراحل.
نزل في مستواها وقالتله بصوت واطي ومفهوم: “أنا مش زعلانة منك، ولا شايلة في قلبي كره ليك.. لأن ربنا يعلم إني ما حسيتش باليتم في يوم، أمي كانت لي الأب والأم والإيدين اللي بعيش بيهم. أنا سامحتك عشان ربنا يسامحك، بس إنت مش أبيا.. الأب هو اللي بيسند وقت الضعف، وأمي هي الوحيدة اللي كانت سندي.”
الكلمات دي وقعت عليه زي الصاعقة، كسرته بس طفّت النار اللي كانت جوايا طول السنين دي. الراجل قام ومشي وجره الخزي، يبكي على عمر أضاعه وعلى نعمة فرّط فيها بإيديه.
قفلت الباب، وبصيت لبنتي.. لقيتها بتبتسم لي ابتسامة صافية، وقربت مني وحطت رأسها على كتفي وقالت: “خلاص يا ماما.. الصفحة دي اتقفلت للأبد، والنهارده بداية حلمنا الجديد.”
وفعلاً، بعد شهرين من اليوم ده، كنا واقفين في قاعة المؤتمرات الكبرى بوزارة الثقافة. بنتي كانت واقفة على المسرح، قدام مئات الشخصيات والجمهور، بيسلموها جائزة أفضل فنانة تشكيلية على مستوى الجمهورية بعد ما لوحاتها اللي رسمتها برجلها أبهرت الكل.
ولما طلبوا منها تقول كلمة للجمهور، مسكت الميكروفون ببراعة، وبصت لي وسط الزحمة وقالت بصوت يرن في القاعة كلها:
“الإعاقة مش إنك تتولد من غير إيدين.. الإعاقة الحقيقية إنك تكون عندك كل حاجة، وما عندكش قلب يحب أو رحمة تقويك. الإنجاز ده مش بتاعي أنا.. الإنجاز ده للست اللي علمتني إن القوة بتتولد من رحم الوجع.. لأمي.”
القاعة كلها وقفت، والتسقيف رج المكان، وأنا واقفة في وسطه دموعي بتنزل.. بس المرة دي ما كانتش دموع حزن ولا خوف، كانت دموع فخر بطفلة اتولدت عشان تغير دنيتي، وتثبت للعالم كله إن اللي ربنا بيحبهم، بيخلق جواهم المعجزات.
بعد الحفلة بظرف كام شهر، حياتنا اتغيرت تماماً.. المعرض اللي شاركت فيه بنتي فتح لها أبواب مكناش بنحلم بيها. رسوماتها المليانة أمل وألوان دافية بدأت تتعرض في صالات عرض بره مصر، وبقى يجيلها دعوات تحاضر في مؤتمرات عن الإرادة وتحدي الصعاب.
وفي يوم، وهي قاعدة بتجهز لوحة جديدة لمعرضها الفردي الأول، بصتلي وابتسمت وقالت: “ماما.. أنا حاسة إن رسالتي مش بس إني أرسم.. أنا عايزة أساعد كل طفل في ظروفي حاسس إنه خايف أو ملوش مكان.”
الكلمة دي كانت بداية مشوار جديد. بجهدها وبدعم من مؤسسات خيرية اتأثرت بقصتها، قدرنا نأسس مركز صغير ونسميه “إيد في إيد”، مكان مجاني لتعليم الأطفال ذوي الهمم الفنون والرسم وتنمية مهاراتهم، والتأهيل النفسي لأهاليهم عشان يفهموا إن عيالهم مش عالة، دول نعمة ومعجزة محتاجة اللي يفهمها.
في يوم افتتاح المركز، كنت واقفة بتفرج عليها وهي وسط الأطفال.. قاعدة على الأرض معاهم، بتضحك وبنتعلمهم إزاي يمسكوا الفرشاة بأقدامهم أو بصوابعهم الصغيرة، والأمل طالع من عيونهم بعد ما كان الخوف ماليهم.
بقيت باصة لها وأنا مش مصدقة.. الطفلة اللي كنت بقفل عليها الباب وبخاف عليها من نظرة الناس، بقت هي النور اللي بيمشي في الظلمة ينور حياة مئات الأطفال.
قربت مني في آخر اليوم، وحطت رأسها على كتفي زي عادتها، وقالتلي بصوت كله دفء: “شفتي يا ماما؟ المكان ده اتولد من الوجع اللي عشنا زمان.. لو مكناش مرينا بكل ده، مكناش هنبقى هنا النهارده.”
دموعي نزلت، بس كانت دموع امتنان.. حسيت ساعتها إن ربنا ما بياخدش حاجة إلا وبيعوض ببدالها حاجات أعظم بكتير. إيدين بنتي المبتورة مكنتش نقص، دي كانت السر اللي خلى قلبها يلمس القلوب، وخلى قصتها ملحمة أمل ملهاش نهاية.
تمت

بقلم انجي الخطيب

حكايات انجى الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى