
بنتي اتولدت بعيب خلقي، مبتورة الإيدين، ومن أول لحظة شافها أبوها يوم ما اتولدت، الدنيا اسودت في وشي.
كنت لسه والدة، جسمي تعبان ونفسيتي منهارة، ومستنية أشوف الفرحة في عينيه لما يشوف بنته لأول مرة، لكنه أول ما شافها، بص لها ثواني، وبعدها بصلي ببرود وقال: “إنتِي هتبقي كل خلفتك كدا ؟ أنا مش عايزك إنتِي وهي.”
افتكرت في الأول إنه بيتكلم من الصدمة، وإنه بعد ما يهدى هيفوق ويراجع نفسه، لكن اللي حصل كان أصعب بكتير.
سابني وأنا لسه في المستشفى، وطلقني، ومشي وكأنه سايب شئ مالوش لازمة مش طفلة من لحمه ودمه.
رجعت بيت أهلي وأنا شايلة بنتي بين إيديا، وكنت فاكرة إن عيلتي هتكون سندي، لكن حتى هما ما سبوناش في حالنا.
كنت بسمع كلام يوجعني قبل ما يوجع بنتي، ونظرات شفقة وكلام جارح، وكل واحد كان شايف نفسه من حقه يسألني: “هتعملي بيها إيه؟” و”مين هيقبل بيها؟” و”هتعيش إزاي؟”
كنت كل ما أسمع الكلام ده، أخد بنتي وأدخل أوضتي وأقفل علينا الباب.
كبرت بنتي وأنا بحاول أحميها من العالم كله.
كنت بخاف تخرج، بخاف حد يبص لها، بخاف طفل يضحك عليها، وبخاف أكتر إنها في يوم تسألني ليه الناس بتبصلها بالطريقة دي.
لدرجة إني مدخلتهاش مدرسة.
كنت دايمًا بقول لنفسي إني كده بحميها، وإن البيت أأمن مكان ليها، وإن بره الناس مش هترحمها.
#بقلم_انجي_الخطيب
لكن الحقيقة إني من غير ما أحس، كنت بحرمها من الحياة نفسها.
جاهدت وربيتها لوحدي، واشتغلت وتعبت عشان أوفر لها كل اللي تحتاجه، وكنت كل ليلة أحط إيدي على راسها وأقول: “ربنا هيعوضني فيكي يا حبيبتي، وأنا راضية بقضائه.”
ومع كل سنة كانت بتكبر، كانت شخصيتها بتقوى أكتر.
لحد ما جه يوم عيد ميلادها التامن.
عملتلها تورتة صغيرة، وجبتلها هدية، وقعدنا سوا وأنا بقطع التورتة وقلت لها: “قوليلي بقى يا حبيبتي… نفسك في إيه؟ أي حاجة تتمنيها هعملهالك.”
بصتلي وسكتت شوية، وبعدها قالت بمنتهى البراءة: “نفسي أروح المدرسة زي كل الولاد.”
اتجمدت مكاني.
السكينة وقعت من إيدي، ومبقتش عارفة أقولها إيه.
كنت مستعدة أجيب لها أي لعبة، أي هدية، أي حاجة في الدنيا… إلا الطلب ده.
بصيت في عينيها، لقيتها مستنياني أقول “لأ”، زي كل مرة.
لكن المرة دي مقدرتش.
قربت منها، حضنتها ومسحت دموعها وقلت: “هتروحي يا حبيبتي… وماما هتفضل جنبك.”
ومن اللحظة دي أخدت قرار إني لازم أحقق لها أمنيتها، حتى لو أنا اللي خايفة أكتر منها.
تاني يوم الصبح صحيتها بدري، ولبستها الهدوم الجديدة اللي كنت جايباها ليها عشان عيد ميلادها، وحطيتلها شنطة صغيرة على ضهرها.
وقفت قدام المراية وبصت لنفسها، وبعدها بصتلي وقالت: “أنا شكلي حلو يا ماما؟”
ضحكت رغم إن دموعي كانت بتنزل وقلت لها: “إنتِ أحلى بنت في الدنيا.”
اخدتها ونزلنا من البيت.
طول الطريق كانت بتتكلم بحماس، وتسألني عن المدرسة، وعن المدرسين، وعن أصحابها اللي لسه مش عارفاهم وهتلعب معاهم.
وأنا كنت برد عليها، لكن جوايا كان فيه خوف بيكبر مع كل خطوة.
كنت عارفة إن أول نظرة من طفل أو كلمة جارحة ممكن تكسر كل الشجاعة اللي بنتها جواها في السنين اللي فاتت.
وصلنا المدرسة، ودخلنا مكتب المديرة.
المديرة كانت ست في أواخر الأربعينات، هادية جدًا، وفضلت تقرأ في الورق اللي قدامها من غير ما تتكلم.
وبعدين رفعت عينيها وبصت لبنتي.
نظرتها طولت شوية.
أنا اتوترت وقربت من بنتي أكتر.
قلت لها: “أنا عارفة إن حالتها محتاجة شوية ترتيبات… بس هي بتتعلم بسرعة جدًا، وأنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان تساعدوها.”
المديرة ابتسمت وقالت: “مفيش أي مشكلة، إحنا هنساعدها.”
بصيت لها باستغراب، فقالت: “بالعكس، أنا شايفة إن بنتك تستحق فرصة زي أي طفل.”
بنتي كانت ساكتة، وكأنها مش مصدقة إن حد أخيرًا بيتكلم عنها من غير شفقة.
المديرة بصت لها وقالت: “إنتِي اللي طلبتي تيجي المدرسة؟”
بنتي هزت راسها وقالت: “أيوه.”
ابتسمت المديرة وسألتها: “ومش خايفة؟”
بصتلي لحظة، وبعدها رجعت بصت للمديرة وقالت: “كنت بخاف… بس دلوقتي لأ.”
الكلمة دي خلتني أحس بفخر غريب.
المديرة خلصت الإجراءات، وقالتلي: “اعتبريها من النهارده واحدة من بنات المدرسة.”
حضنت بنتي، وهي من الفرحة فضلت تضحك وتقول: “أنا بقيت طالبة يا ماما!”
خرجنا من المكتب، وأنا لأول مرة حسيت إني أخيرًا حققت لها حاجه كانت بتحلم بيها.
لكن الفرحة دي ما كملتش كتير.
أول ما دخلنا الفصل، المدرّسة رحبت بيها قدام البنات، وقالت لهم: “دي زميلتكم الجديدة، وعايزة كل واحدة فيكم تساعدها وتحسسها إنها وسط أصحابها.”
البنات بصوا لها، وبعضهم ابتسم.
في اللحظة دي افتكرت إن خوفي كان مجرد وهم، وإن يمكن الدنيا تكون أرحم مما كنت متخيلة.
خرجت من الفصل وأنا مطمنة، وسيبت بنتي وسط زميلاتها.
لكن بعد أقل من ساعة، كانت بنتي بتعيش لحظة صعبة.
أول ما المدرّسة خرجت من الفصل، بدأت بعض الهمسات من بعض البنات، وبنتي حاولت تتجاهلهم.
لكن واحدة من البنات ضايقتها بالكلام، وزقتها فوقع كشكولها على الأرض.
بنتي انحنت تاخده بالطريقة اللي اتعودت عليها، لكن بنت تانية ضَلقت عليها زجاجة المية وهي بتضحك، وبدأت عبارات التنمر تزيد.




