
سمعت صوت برجل وشوشة جاي من التلفون، لكن كلمة واحدة خرجت من التلفون وسمعتها بوضوح:
«يا باشا.. العربيات اللي كانت بتراقبك على الصحراوي إمبارح.. عرفنا تبع مين. دول رجالة (العميد) حامد.. وعارفين إنك جيبت ست وعيالها معاك الفيلا النهاردة!»
فهد سكت ثانية، وعينيه لمعت بشرار، وقال بصوت أبرد من الثلج:
«خليهم يراقبوا.. اللي يلمس ظفر من ظوافر حد في البيت ده، هيختفي من على وش الأرض قبل ما الشمس تغرب.»
قفل التلفون، ولف بصلي. أنا كنت واقفه بترعش، مش من الخوف على نفسي، لكن من الرعب على ياسين ونور اللي بيلعبوا برة عند المطبخ.
قلت بصوت مكتوم:
«فهد.. إحنا ملناش دعوة بحربك دي.. طيرنا من هنا لو إحنا خطر عليك أو إنت خطر علينا!»
فهد قرب مني، ومسك كتفي بإيده القوية لكن بمنتهى الحرص، وبص في عيني بجمود وقال:
«الخروج د الوقت أسرع طريق للموت يا مريم. طول ما إنتي هنا.. في حمايتي.. مفيش مخلوق يقدر يمسك. بس من اللحظة دي.. ممنوع تخرجي برة سور الفيلا ده من غير ما أكون أنا شخصياً معاكي.. فاهمة؟»
هزيت راسي بسرعة وأنا مش قادرة أتنفس، الرعب كان متملك مني تماماً. كلماته كانت حاسمة ومفيهاش أي مجال للمناقشة.
ساب كتفي ومشي بثبات ناحية السلم، وسابني واقفة في مكان حاسة إن حياتي القديمة البسيطة خلاص انتهت، وإن اللي جاي مش مجرد جواز صوري، دي مغامرة في قلب النار.
نزلت الجنينة جري ورا ولادي، لقيتهم بيلعبوا جنب المياه، ونور ضحكتها مالية المكان لأول مرة من شهور. ياسين كان ماسك عصير في إيده ومبسوط جداً، بس أول ما شاف ووشي اتغير، قرب مني وقال بصوت واطي:
«مالك يا ماما؟ عم فهد زعلِك؟»
نزلت لمستواه ومسكت إيده:
«لأ يا حبيبي، ما زعلنيش.. بس أوعدني يا ياسين، إنت ونور متخرجوش من البوابة دي أبداً، ولا تروحوا في أي مكان من غير ما تقولولي.. فاهم؟»
هز رأسه بجدية، وكأنه حس بإن فيه حاجة كبيرة بتحصل، رغم صغر سنه.
النهار عدى بسرعة مرعبة، والمسا جه ومعه المأذون. الأجواء في الفيلا كانت غريبة، هدوء حذر، حراس منتشرين في كل حتة بكثافة غير طبيعية، وكأنهم مستنيين هجوم في أي لحظة.
قعدت في الصالون الكبير، لابسة فستان بسيط جداً كان في الدولاب اللي في الأوضة اللي خصصهالي. دخل فهد ببدلة سودا أنيقة، ملامحه كانت حادة وصارمة، ومبيظهرش عليها أي مشاعر.
المأذون بدأ يكتب الكتاب، وأنا إيدي كانت بترتعش وأنا بوقع على الورق. لما المأذون قال جملته الشهيرة «بارك الله لكما وبارك عليكما»، بصيت لفهد، لقيته بيبصلي بتركيز غريب.
المأذون مشي، والهدوء رجع للمكان. فهد قرب مني، وطلع من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها وطلع منها خاتم ألماسي بسيط بس راقي جداً. مسك إيدي الشمال ونبرة إيده كانت ثابته، وحط الخاتم في صباعي.
«الخاتم ده يفضل في إيدك على طول.. قدام العيلة، وقدام الحراس، وقدام أي حد. إنتي بقيتي مدام فهد المنشاوي رسمي.»
بلعت ريقي وقلت:
«والخطوة الجاية إيه؟»
رد وهو بيبص ناحية الشباك الكبير اللي كاشف المدخل:
«الخطوة الجاية إننا هنتحرك بكرة الصبح الساحل الشمالي. العيلة كلها هناك، وأعدائي مستنيين يشوفوا مين الست اللي اختارها فهد المنشاوي فجأة.. وهناك اللعبة الحقيقية هتبدأ.»
ليلتها معرفتش أنام لحظة واحدة. كنت قاعدة على طرف السرير في الأوضة الواسعة، عيني على ياسين ونور وهم نايمين في حضن بعض بعمق لأول مرة من شهور. الشباك الكبير كان مبين إضاءة الجنينة الخفيفة، وظلال الحراس وهم بيتحركوا برة ببطء وحذر.
الصبح بدري جداً، وقبل ما الشمس تطلع، خبط باب الأوضة خبطات منتظمة. لما فتحت، لقيت فهد واقف بقميص أبيض وشعره متظبط، عينيه فيها تجهيز لشيء كبير.
قال بصوت واطي ومحدد:
«الشنط تتجهز.. عشر دقائق ونكون في العربية.»
طلعت الشنطة القديمة اللي جيبناها معانا، بس لقيت شغالة دخلت ورايا ومعاها شنط جديدة كلياً، مليانة هدوم لينا وللأطفال. بصيت لفهد باستغراب، هز راسه وقال:
«مراتي وولادي مش هيخرجوا بشنطة مقطوعة.. غيري هدومك وهدوم الأولاد بسرعة.»
ركبنا أسطول العربيات.. ثلاث عربيات دفع رباعي حراسة، وعربية فهد السوداء المصفحة في النص. المسافة للساحل الشمالي كانت ساعتين، طول الطريق فهد كان ساكت تماماً، بيبص من الشباك أو بيتابع شغل على تلفونه، بينما ياسين ونور كانوا مبهورين بالبحر اللي بدأ يظهر من بعيد.
أول ما وصلنا القصر بتاع عيلة المنشاوي في الساحل، حسيت بالضغط بيبدأ. المكان كان عبارة عن تحفة معمارية على البحر مباشرة، بس الجو جواه كان مشحون بالتوتر.
أول ما الأبواب اتفتحت ونزلنا، لقيت مجموعة من الناس واقفين مستنيين على المدخل. راجل في الخمسينات بملامح حادة وعينين مليانة غل وشبه فهد جداً، وقنبه ست شيك بس نظراتها كانت كلها تكبر واحتقار.
الراجل قرب بخطوات ثقيلة وقال بصوت جاف:
«منور يا فهد.. بس ما قولتليش إنك جاي وجايب معاك ملجأ أطفال؟»
فهد خطى خطوة لقدام، وحط إيده على ظهري بتمكن وثبات، وبص للراجل بعينين باردة زي الثلج وقاطعه بصرامة:
«اتكلم بأدب يا عمي حامد.. دي مريم المنشاوي.. مراتي. وده ياسين ودي نور.. ولادي.»
العم حامد اتصدم، وعينيه وسعت وهو بيبصلي بذهول، والست اللي جنبه فتحت بوقها ومش عارفة تقول إيه. السكوت ساد المكان لحظات، ومفيش غير صوت أمواج البحر برة.
حامد قرب مني خطوة، وعينيه بتتفحصني بحدة وكأنه بيحاول يفهمني أو يقرا الصدمة في وشي، وقال بنبرة مليانة تهديد مستتر:
«مريم المنشاوي؟ ومين هي مريم دي يا فهد؟ العيلة دي ليها أصول، وإنت جايب ست مجهولة الهوية من الشارع وتقول مراتي؟»
فهد مسك إيدي وشدها عليه بخفة، وبص لعمو بثبات وقال كلمتين خلوا الكل يسكت تماماً:
«أصول العيلة أنا اللي بحددها هنا يا حامد بيه.. واللي يغلط في مراتي، كأنه كتب نهايته بإيده.»
ساد هدوء يخنق النفس في المكان، ونظرات العم حامد بقت زي طلقات الرصاص الموجهة لصدري. مراته حسناء بصتلي بقرف من فوق لتحت، وقالت بابتسامة صفرا مليانة سم:
«أهلاً يا مريم.. ينور القصر، بس طبعاً لازم نعرف أصل وفصل الست اللي دخلت عيلتنا فجأة كدة، ولا إيه يا فهد؟»
فهد متزحزحش من مكانه، ولا عينيه رفت. ضغط على إيدي بالراحة كأنه بيطمني، ورد بنبرة من أبرد ما يكون:
«أصلها وفصلها إنها مراتي.. وأعتقد ده كفاية جداً عشان الكل يعملها ألف حساب. مش كدة يا حسناء هانم؟»
الكلمة قطعت أي محاولة للتطاول، وحسناء بلعت باقي كلامها وعينيها بتطق شرار. حامد هك رأسه ببطء وهو بيبص لفهد بنظرة كره صريحة وقال:
«الورق والشركات مش هتروح منك بالسهولة دي يا فهد.. المولد ده مش هيعدي بسلام.»
فهد ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة ثقة وتحدي وقال:
«نشوف.. بعد إذنكم، مريم والأولاد محتاجين يرتاحوا.»
مسك إيدي وبإيده التانية أخد ياسين، ونور كانت ماسكة في جيبتي، ومشينا في الممر الطويل لغايه ما وصلنا للجناح المخصص لينا. أول ما الباب المقفول اتكة وراه، اتنهدت بطريقة هستيرية، وحسيت إني كنت كتمة نفسي من الرعب.
ياسين بصلي وقال بصوت واطي:
«يا ماما، الراجل الكبير ده شكله يخوف.. هو زعلان مننا؟»
فهد نزل لمستوى ياسين، وبص في عينيه وقال بهدوء غريب:
«محدش يقدر يزعلكم ولا يلمسكم طول ما أنا موجود يا ياسين. افهم دي كويس.. هنا مفيش حد تخاف منه.»
ياسين هز رأسه، وفهد وقف وبصلي وقال بجدية شديدة:
«حامد وحسناء مش هيسكتوا.. هيحاولوا يدوروا على أي ثغرة، أي حاجة تكشف إن الجواز ده صوري. قدامهم.. إحنا أزواج بجد، ومفيش أي غلطة مسموح بيها.»
سألته بصوت مرتعش:
«وهيعملوا إيه؟»
قرب من الشباك المطل على البحر وهو بيحط إيده في جيبه وقال:
«الليلة فيه حفلة استقبل كبيرة في القصر هنا.. كل كبار رجال الأعمال والعيلة هيحضروا. حامد هينتهز الفرصة دي عشان يحرجك أو يوقعك في الكلام قدام الناس.. ومطلوب منك حاجة واحدة بس.»
بصيت له باستفهام، فكمل وهو بيبص في عيني بتركيز يربك:
«تكوني مريم المنشاوي.. رأسك مرفوعة، ومتهبيش حد فيهم. وأنا هكون واقف ضلك.»
الساعة جت تمانية بالليل، والفيلا من تحت تحولت لخفية أضواء وموسيقى كلاسيكية هادية. الصالونات الكبيرة كانت مليانة بالناس؛ رجال أعمال ببدلات غالية، وستات لابسين مجوهرات بتلمع من على بعد.
كنت واقفة قدام المراية الكبيرة في الأوضة، لابسة فستان أسود بسيط جداً بس قماشته شيك وراقية، وفهد كان جايبلي عقد ألماسي خفيف حطيته حولين رقبتي. إيدي كانت بترتعش وأنا بظبط شعري، ونور وياسين كانوا قاعدين على الكنبة بيلعبوا مع الدادة اللي فهد عينها ليهم مخصوص عشان تاخد بالها منهم طول الحفلة.
الباب اتفتح ببطء ودخل فهد. كان لابس بدلة سودا توكسيدو خلت هيبته تتضاعف مرتين. وقفت مكاني مش قادرة أحرك عيني عنه. قرب مني ببطء، ونظراته كانت بتتفحصني بتركيز شديد.
مسك العقد اللي في رقبتي وعدّله بلمسة خفيفة خلّت قشعريرة تسري في جسمي، وقال بصوت واطي ودافي:
«طالعة شبه الملكات يا مريم.. محدش يصدق إنك الست اللي كانت واقفة على الطريق الصحراوي من يومين بس.»
بلعت ريقي قلتله بتوتر:
«أنا خايفة يا فهد.. حاسة إني ممثلة فاشلة وهتفضخ قدام الناس دي كلها.»
مسك إيدي الشمال وركز عينيه في عيني بثبات يطمن أعتى الخوف:
«إنتي مش ممثلة.. إنتي مراتي، والاسم ده لوحده يديكي قوة تهد الحيطة. طول ما إيدي في إيدك، محدش يجرؤ يرفع عينيه فيكي.»
شاورلي، وحطيت إيدي في دراعه، ونزلنا السلم ببطء. أول ما رجلنا لمست أرض الصالون الرئيسي، الموسيقى كأنها هديت، والعيون كلها اتوجهت ناحيتنا. همسات وسوشة بدأت تنتشر بين الضيوف زي النار في القش.
فهد كان ماشي برأس مرفوعة وخطوات واثقة، وأنا معاه بحاول أبان متماسكة وأبتسم ابتسامة هادية.
وفجأة، ظهر العم حامد من بين الزحمة، ومسك كاس عصير في إيده، وجنبه راجل كبير في السن بملامح حادة ولابس نضارة طبية ذهب.. واضح إنه شخصية مهمة جداً في سوق الشغل.
حامد ابتسم ابتسامة خبيثة وقال بصوت عالي عشان كل اللي حوالينا يسمعوا:
«أهلاً أهلاً.. العروسة الجديدة نورت القصر. تعال يا صفوت بيه بعرفك على حرم فهد المنشاوي.. مريم هانم.»
صفوت بيه بصلي باهتمام مدقق، وقال بنبرة تساؤل:
«أهلاً يا مريم هانم.. مشاء الله، بس الغريبة إننا أول مرة نسمع عن عيلتك أو نشوفك في أي اجتماع من اجتماعات رجال الأعمال.. يا ترى مريم هانم من عيلة مين في القاهرة؟»
السؤال كان ملغوم ومحطوط بدقة عشان يزنقني قدام الكبار وياخدني على غفلة. بلعت ريقي، وحسيت إيد فهد بتضغط على إيدي بتشجيع وصرامة.


