روايات وقصص

ريحة جوزي الغريبة

إننا لحد دلوقتي مش فاهمين ليه المادة دي اتغيرت بالطريقة دي.

ما قلتلي تلوث حصل في العينة.
هز راسه:

ده اللي كنا فاكرينه.
قلبي انقبض:

يعني إيه؟
طلع موبايله وفتح صورة تقرير:

اللجنة أعادت تحليل العينة الأصلية.
ناولني الموبايل، وطبعًا أنا مفهمتش معظم الأرقام، فقلت:

عايز تقول إيه؟

مفيش تلوث.

أمال إيه اللي حصل؟

المادة اتغيرت لوحدها.. تحت ظروف معينة بدأت تنتج مركبات جديدة مكنتش موجودة في تصميمها الأصلي.
سكت شوية وبعدين كمل:

وعشان كده قرروا يقفلوا المشروع تمامًا لحد ما نفهمها.
ارتحت شوية:

أحسن.
لكن وليد مكانش مرتاح وكان باصص قدامه، فقلت:

فيه إيه تاني؟
رد:

قبل ما يقفلوا المعمل، أخدوا كل العينات وحطوها في وحدة تخزين خاصة.

تمام.

عدد العينات كان ستة.

أيوه؟
رفع عينه ليا:

لما اللجنة استلمتها.. لقوهم سبعة.

حسيت جسمي برد:

يمكن حد غلط في العد.

راجعوا السجلات.

يمكن عينة قديمة.

راجعوها.. طيب السابعة جت منين؟!
وليد هز راسه ببطء:

محدش عارف.

سكتنا، وفجأة.. وصلت لمناخيري ريحة خفيفة.. نفس الريحة!
قمت من مكاني فورًا، وليد بصلي:

مالك؟
مردتش، ومشيت ناحية باب البلكونة.. الريحة زادت.
دخلت الصالة ووليد ورايا:

سارة؟
فضلت ماشية ورا الريحة لحد ما وصلت للطرقة، وقفت قدام أوضة بنتنا مريم.
قلبي بدأ يدق بعنف.. فتحت الباب.
مريم مكانتش موجودة وكانت في الجامعة، لكن الريحة كانت موجودة!
دخلت وقربت من مكتبها.. الريحة زادت أكتر.
فتحت الدرج الأول مفيش.. التاني مفيش.. التالت كان مقفول.
وليد جاب المفتاح الاحتياطي وفتحناه.
كان جواه ظرف بني صغير. وليد لبس جوانتي قبل ما يلمسه وفتحه بحذر.. وفي الداخل، كان فيه أنبوبة زجاجية صغيرة جواها نقطة من مادة رمادية.. نفس المادة!
بصيت لوليد وهو بصلي، لكن قبل ما أي واحد فينا يتكلم.. سمعنا صوت مفتاح باب الشقة.
مريم رجعت.. دخلت وهي بتقول:

ماما؟ بابا؟ إنتوا فين؟
وليد خرج من الأوضة والأنبوبة في إيده، وأول ما مريم شافتها.. وشها اصفر.
وليد سألها بهدوء:

الأنبوبة دي جتلك منين يا مريم؟
مريم فضلت ساكتة.
قلت:

مريم، ردي على بابا.
عينيها اتمَلّت دموع وقالت:

أنا مكنتش أعرف إن الموضوع يوصل لكده.
وليد قرب منها:

موضوع إيه؟
بصتله وبعدين قالت الجملة اللي خلتنا إحنا الاتنين نتجمد:

العينة السابعة مش ظهرت لوحدها يا بابا.. أنا اللي عملتها!
وليد شهق:

إنتِ؟!
مريم مسحت دموعها:

مش كلها.. أنا غيرت خطوة واحدة بس في البروتوكول.

إمتى؟

من شهرين.. نفس التوقيت، نفس اليوم تقريبا اللي بدأت أشم فيه الريحة على وليد.

مريم كانت بتدرس كيمياء حيوية وكانت بتتدرب في معمل قريب من معمل أبوها، واكتشفنا إنها دخلت معمل وليد في يوم إجازة بمساعدة عمر.
كانت فاكرة إنها بتجرب تعديل بسيط ممكن يخلي المادة أكثر كفاءة، لكن التجربة خرجت عن المتوقع، ولما شافت النتيجة خافت وسابت العينة وسط العينات من غير ما تقول لحد.
وليد قعد على الكرسي كأنه مش قادر يقف:

يعني العينة اللي قلبت المشروع كله.. كانت بتاعتك؟!
مريم هزت راسها وهي بتعيط:

أنا آسفة.
قلت:

والأنبوبة اللي هنا؟
قالت:

دي عينة صغيرة احتفظت بيها قبل ما أعرف إنها ممكن تكون خطيرة.
وليد اتعصب:

إنتِ مدركة عملتي إيه؟!
مريم صرخت:

أنا كنت عايزة أثبت إني شاطرة!

وسكتنا كلنا.. بصت لأبوها وقالت:

طول عمري بسمعك بتقول إن البنات مش قد البحث العلمي.. حتى وأنا بنتك، عمرك ما شجعتني أدخل مجالك، كنت عايزة أعمل حاجة تخليك تقول إني قدرت.
ملامح وليد اتكسرت، وأنا افتكرت كل مناقشاتنا القديمة وكل مرة قلتله فيها إن أفكاره بتأثر على ثقة أولاده.. مكنتش أعرف إن أول بنت هتدفع تمنها هتكون بنته.
وليد قرب من مريم ولأول مرة معرفش يرد، وبعد وقت طويل قال:

أنا غلطت.. غلطت لما خليتك تحسي إنك محتاجة تعملي حاجة في السر عشان تثبتيلي كفاءتك.. بس إنتِ كمان غلطتي، العلم مش إثبات ذات عشوائي، وأي تجربة من غير قواعد أمان ممكن تأذي ناس.
مريم هزت راسها، وفي نفس الليلة وليد بلغ اللجنة بالحقيقة كاملة، ومريم اعترفت بكل حاجة، والعينة السابعة اتسلمت رسميًا.

بعد شهور من الدراسة، اكتشف الفريق إن التعديل اللي عملته مريم هو اللي غيّر خواص المادة.. لكن بدل ما تتحول لمشكلة كبيرة، اتعاملوا معاها كخطأ بحثي لازم يتوثق ويتدرس، والمشروع اتعاد تصميمه من الصفر تحت رقابة صارمة.

أما أنا؟ بعد اللي حصل، وليد بقى عنده عادة جديدة.. أول ما يرجع من الجامعة يقف بعيد عني ويسأل:

شمّي.
وأنا أبصله وأقول:

لف.
يلف، ثم يقول:

قرب.
أقرب، وبعدين أقرر إذا كان يدخل البيت ولا يستحمى الأول!

وفي يوم، بعد حوالي سنة، رجع البيت ووقف قدامي:

ها؟
قربت منه وشميت.. مفيش حاجة.
ابتسمت:

تمام.
اتنهد براحة، لكن قبل ما يمشي، وقفته:

استنى.

إيه؟
قربت من شنطته وشميت.. كانت فيه ريحة ضعيفة جداً.
فتحت عيني، وليد اتوتر:

إيه؟
قلت:

الريحة رجعت.
وشه اتغير.. فتح الشنطة بسرعة وقلبنا كل حاجة: كتب، لابتوب، أوراق.. وفي جيب جانبي صغير لقينا ظرف أبيض!
وليد قال:

أنا عمري ما شوفت الظرف ده.
فتحناه بحذر.. مكانش فيه عينة، كان فيه ورقة واحدة مكتوب عليها:
“الدكتور وليد منصور.. العينة السابعة كانت مجرد البداية.. إحنا عندنا العينة الثامنة.”
وفي أسفل الورقة كان فيه تاريخ بعد ثلاثة أيام، وتحته عنوان.
وليد بصلي وأنا بصيتله، ثم قربت الورقة من مناخيري مرة تانية.. الريحة اللي عليها مكنتش نفس ريحة المعمل، كانت أقوى ومختلفة.
والأغرب من ده كله.. إني كنت أعرفها! شميتها قبل كده من سنين طويلة قبل ما أتجوز وليد أصلًا.. في بيت أبويا، قبل الليلة اللي توفى فيها بساعات.

وهنا فهمت إن قصة المعمل مخلصتش.. بالعكس، إحنا لسه كنا في أولها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى