منوعات

كنت مفلسة ومعايا ١٥ دولار

“عندها مشكلة في القلب. خليها قاعدة ومرفوعة. ممنوع أكل أو شرب. أنا على بعد أربع دقايق.”

“حاضر.”

وبعدين سأل:

“اسمك إيه؟”

ترددت.

“رنا.”

“رنا إيه؟”

“رنا كمال.”

كرر اسمي ببطء.

“رنا كمال…”

وبعدين قال جملة لحد النهارده عمري ما نسيتها:

“رنا كمال… إياكي تسيبي بنتي.”

وقفل.

 

بعد أقل من أربع دقايق…

سمعت صوت عربيات جاية بسرعة جنونية.

ثلاث عربيات SUV سودا دخلت الجراج، والعجل صرخ على الأرض.

الباب اتفتح.

رجالة لابسين بدل سودا نزلوا بسرعة وانتشروا في المكان.

وبعدين نزل هو.

هارون فوزي.

كان طويل، عريض، لابس بدلة سودا، ووشه جامد بشكل يخلي أي حد يتوتر.

لكن أول ما شاف ليلى…

كل حاجة اتغيرت في عينيه.

جري ناحيتها.

بس

قبل ما يوصل، ست دكتورة نزلت من العربية التانية ومعاها شنطة إسعافات.

“ابعدوا.”

نزلت على ركبتها جنب ليلى.

“ليلى حبيبتي، أنا دكتورة ناهد.”

ليلى فتحت عينيها.

الدكتورة حطت جهاز على صدرها.

“الأكسجين بسرعة.”

واحد من الرجالة جابهولها.

أنا فضلت ماسكة إيد ليلى.

هارون كان واقف قدامي.

بص على بنته.

بعدين على الجاكت بتاعي الملفوف حواليها.

وبعدين بصلي.

سأل بصوت هادي بشكل مخيف:

“مين فيكم لقاها؟”

بلعت ريقي.

“أنا.”

قرب خطوة.

“اسمك؟”

“رنا.”

“إنتِ اللي كلمتيني؟”

هزيت راسي.

“أيوه.”

بص لإيدي اللي كانت ماسكة إيد بنته.

وبعدين قال:

“شكرًا.”

الكلمة دي كانت آخر حاجة توقعتها منه.

 

بعد حوالي عشرين دقيقة، ليلى اتحطت في العربية واتنقلت للمستشفى.

وأنا؟

كنت واقفة لوحدي في الجراج.

من غير جاكت.

من غير فلوس.

ومن غير ما أفهم أنا ليه لسه واقفة.

هارون رجعلي.

“تعالي.”

بصيتله باستغراب.

“فين؟”

“المستشفى.”

“أنا؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

“لأن بنتي هتسأل عليكي لما تفوق.”

ركبت معاهم.

وما كنتش أعرف إن اللحظة دي هتكون بداية أكبر تغيير حصل في حياتي.

 

في المستشفى، الدكتورة ناهد طمنتنا إن حالة ليلى استقرت.

هارون وقف قدام باب العناية.

أول ما شافني، قال:

“هي سألت عليكي.”

ابتسمت.

“هي كويسة؟”

“أيوه.”

دخلت أشوفها.

كانت نايمة، وشكلها أصغر بكتير من وهي قاعدة في الجراج.

لما شافتني، ابتسمت.

“رنا.”

قربت منها.

“أيوه يا ليلى.”

“إنتي رجعتي.”

“أكيد.”

مدت إيدها.

مسكت إيدي.

“كنت خايفة.”

قلبي اتوجع.

“خلاص… أنا هنا.”

من بعيد، هارون كان بيتفرج علينا.

وأنا لأول مرة شفت فيه حاجة غير الرجل المخيف اللي الناس بتتكلم عنه.

شفت أب.

أب مرعوب على بنته.

 

تاني يوم، هارون عرض عليا فلوس.

“ده مقابل اللي عملتيه.”

بصيت للشيك.

المبلغ كان أكبر من كل الفلوس اللي شفتها في حياتي.

رجعتهوله.

“مش عايزة.”

رفع حاجبه.

“ليه؟”

“لأني ما أنقذتش بنتك عشان الفلوس.”

“أنا ما قلتش إنك عملتي كده.”

“بس ده هيخليني أحس إني بعت حاجة.”

فضل ساكت شوية.

وبعدين أخد الشيك.

“تمام.”

افتكرت الموضوع خلص.

لكن بعدها قال:

“طيب اقضي معانا كام يوم.”

ضحكت.

“إيه؟”

“ليلى متعلقة بيكي.”

“أنا شغالة.”

“هعوضك.”

“مش كل حاجة بتتعوض بالفلوس يا أستاذ هارون.”

لأول مرة، ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا.

“واضح إنك بتحبي تقوليلي لأ.”

“لأني مش متعودة أقول آه لأي حد.”

 

بعد يومين، ليلى بدأت تتحسن.

وفي اليوم التالت، هارون طلب مني أروح معاه لمكان.

كان المكان هو مسرح ميريديان.

نفس المسرح اللي لقيت فيه ليلى.

دخلنا.

المبنى كان قديم، بس واضح إنهم بيجهزوه للترميم.

دخلت صالة كبيرة.

وفجأة شفت على الحيطة لوحة قديمة.

عليها صور ناس اشتغلوا في المسرح.

ومن بينهم…

صورة أمي.

وقفت مكاني.

“دي…”

هارون بص للصورة.

“أمك؟”

هزيت راسي.

“أيوه.”

قربت من الصورة.

اسمها كان مكتوب تحتها:

جون كمال — قسم الملابس.

حسيت الدنيا بتلف بيا.

“إنت كنت تعرف أمي؟”

هارون سكت.

“أيوه.”

بصيتله.

“إزاي؟”

قبل ما يرد، ظهرت ست في أواخر الخمسينات، لابسة بدلة أنيقة.

“أنا كنت مستنياكي.”

بصيت لها.

“مين حضرتك؟”

ابتسمت.

“مارا.”

وبعدين قالت:

“أخت هارون.”

 

قعدنا في غرفة قديمة جوه المسرح.

مارا حطت قدامي ملف.

“اسم المشروع ده بلو ستار.”

فتحت الملف.

ولما شفت اسمي…

اتجمدت.

رنا كمال — أحد المؤسسين المقترحين للمشروع.

بصيت لهارون.

“أنا؟”

هز راسه.

“مش فاهمين ليه اسمك موجود.”

“إزاي مش فاهمين؟”

مارا قالت:

“المشروع ده عمره عشر سنين.”

بصيت للتاريخ.

نفس سنة وفاة أمي.

قلبي بدأ يدق.

“إيه علاقة أمي بالمشروع؟”

مارا بدأت تحكي.

أمي كانت بتشتغل في المسرح.

وكانت صاحبة هارون، وزوجته المستقبلية سليا.

الاتنين كانوا قريبين جدًا.

وكانوا بيحلموا يحولوا جزء من المسرح لمركز مجاني أو بأسعار بسيطة للأطفال.

تعليم موسيقى.

تمثيل.

خياطة.

تصميم ديكور.

إضاءة.

حاجات عملية للأطفال اللي

مفيش عندهم فرصة.

“طب ليه المشروع مات؟”

هارون رد:

“الفلوس.”

بصيتله.

“بس إنت غني.”

“وقتها كنت ببدأ أبني إمبراطوريتي.”

“يعني الفلوس كانت موجودة؟”

“بعضها.”

“إيه اللي حصل؟”

سكت.

وبعدين قال:

“أنا وأمك اختلفنا.”

“على إيه؟”

“التحكم.”

ضحكت بسخرية.

“ده باين.”

مارا بصت له.

“أمك كانت شايفة إن هارون بيأجل كل حاجة لحد ما يبقى كل شيء مثالي.”

هارون قال:

“كنت عايز أضمن إن المشروع يعيش.”

مارا ردت:

“وهي كانت شايفة إن لو استنيت الظروف المثالية، المشروع عمره ما هيبدأ.”

سكت هارون.

وبعدين قال:

“يمكن كانت عندها حق.”

 

رجعت شقتي بالليل.

فتحت الباب.

لقيت كراتين في كل حتة.

أنا أصلًا كنت بدأت أجهز حاجتي.

لأني كنت مهددة بالطرد.

حطيت شنطتي على الترابيزة.

وأثناء ما بدور فيها، لقيت ظرف قديم.

عليه اسمي.

وبخط أمي.

رنا.

قلبي وقف.

قعدت.

فتحت الظرف.

وكانت أول جملة:

“رنا… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ما لحقتش أقولك الحقيقة بنفسي.”

إيدي بدأت ترتعش.

كملت.

“أنا عارفة إنك زعلانة مني.”

“وعارفة إنك قضيتِ سنين تسألي نفسك ليه سيبتك.”

دموعي نزلت.

“أنا ما سيبتكيش عشان ما كنتش بحبك.”

“أنا كنت خايفة.”

سكت شوية.

وبعدين كملت.

أمي اعترفت إنها سافرت عشان تشتغل وتوفرلي حياة أحسن.

لكنها كانت عارفة إنها غلطت.

وكان أكتر شيء ندمت عليه إنها خلتني أفتكر إنها اختارت الشغل عليا.

وبعدين وصلت لجزء المسرح.

“أجمل سنين حياتي كانت في مسرح ميريديان.”

“وسليا كانت أقرب صديقة ليا.”

“وكنا بنحلم نعمل مشروع اسمه بلو ستار.”

قلبت الصفحة.

“حطيت اسمك في المشروع.”

دموعي زادت.

“مش عشان تشتغلي هناك.”

“ولا عشان تاخدي فلوس.”

“حطيته عشان يبقى عندك باب.”

“باب إنتِ اللي تختاري تفتحيه أو لأ.”

وبعدين كتبت:

“ما تخليش هارون ينقذك.”

اتخضيت.

كملت.

“خليه يسمعك.”

ضحكت وأنا بعيط.

“يا ماما…”

وبعدين قرأت:

“هارون مش راجل وحش.”

“هو بس موهوب جدًا في إنه يخلط بين المسؤولية والسيطرة.”

ضحكت من وسط دموعي.

أمي بتشتمه وهي ميتة من عشر سنين!

لكن آخر جزء كان أصعب.

“وما تعاقبيهوش طول عمرك عشان أخطأ.”

“أنا عملت كده.”

“سامحيه لما تكوني مستعدة.”

وبعدين:

“المسامحة مش معناها إنك تقولي إن اللي حصل ما وجعكيش.”

“المسامحة معناها إنك تقرري إن الوجع ده مش هيتحكم في كل قرار جاي في حياتك.”

في آخر الورقة…

كانت رسمة نجمة زرقا.

 

تاني يوم الصبح، هارون اتصل.

“قريتي الرسالة؟”

“أيوه.”

سكت.

وبعدين:

“إنتِ كويسة؟”

“لأ.”

سكت تاني.

“السؤال كان غبي.”

ضحكت.

“أيوه.”

وبعدين قلت:

“أمي قالت إنك بتخلط بين المسؤولية والسيطرة.”

سكت.

وفجأة سمعت ضحكة مارا من بعيد.

“إنت مع أختك؟”

“أيوه.”

مارا صرخت:

“أنا بسمع!”

هارون قال:

“ممكن نتكلم في موضوع تاني؟”

قلت:

“قالتلي كمان ما تخليش تنقذني.”

“أنا بدأت أكره الرسالة دي.”

“وقالت إنك مش راجل وحش.”

“دي نقطة كويسة.”

“وقالتلي أخليك تسمعني.”

سكت.

وبعدين سألني:

“إنتِ عايزة إيه أسمعه؟”

السؤال ده خلاني أسكت.

مش:

إنتِ محتاجة فلوس؟

ولا:

إيه اللي أقدر أعملهولك؟

لكن:

إنتِ عايزة إيه أسمعه؟

قلت:

“مش عارفة.”

قال:

“خدي وقتك.”

 

بعدها بيوم، رجعت للمسرح.

بصيت على المخططات.

ولقيت إنهم عاملين مشروع بلو ستار بشكل جميل.

بس الأسعار كانت صادمة.

80 دولار في الشهر.

بصيت لهارون.

“مين يقدر يدفع ده؟”

قال:

“ده أقل من التكلفة.”

قلت:

“أنا مش بسأل عن التكلفة.”

سكت.

“أم بتقبض الحد الأدنى وعندها طفلين مش هتعرف تدفع.”

“هنعمل منح.”

“منح بإثبات فقر؟”

“أيوه.”

قفلت الملف.

“لأ.”

رفع عينه.

“ليه؟”

“لأن الفقير مش لازم يقضي نص عمره يثبت إنه فقير عشان ابنه يتعلم موسيقى.”

سكت.

كملت:

“اعملوا نظام حسب الدخل.”

“مفيش طلبات مهينة.”

“مفيش مقالات تحكي أسوأ يوم في حياة الناس.”

“اللي يقدر يدفع عشرة يدفع عشرة.”

“واللي يقدر يدفع خمسين يدفع خمسين.”

“واللي مش قادر يدفع خالص، يدخل برضه.”

هارون فضل باصصلي.

 

قلت:

“إيه؟”

قال:

“كملي.”

ومن اليوم ده…

بدأ يسمع.

 

بعد فترة، مارا عرضت عليا شغل.

منسقة مشروع بلو ستار.

مرتب محترم.

تأمين.

ست شهور مبدئيًا.

بصيتلها.

“هارون هو اللي قالك؟”

“لأ.”

“قالك ما توظفينيش؟”

“أيوه.”

ضحكت.

“كويس.”

مارا ابتسمت.

“هو كان خايف إنك تفتكريها صدقة.”

“وأنا فعلًا كنت هفتكرها كده.”

“عشان كده عملنا لك مقابلة.”

دخلت المقابلة.

ما حدش اهتم إني أنقذت ليلى.

سألوني عن خبرتي.

قلت لهم:

“معنديش خبرة في المؤسسات.”

لكن عندي خبرة في الناس.

“عارفة يعني إيه أم معاها طفلين تستنى أتوبيس بالليل.”

“وعارفة يعني إيه عامل يخلص شغله متأخر ومفيش مواصلات.”

“وعارفة إن الناس اللي محتاجة مساعدة مش ناقصة حد يحسسها إنها أقل من غيرها.”

وفي الآخر…

اتقبلت.

مش لأن هارون فوزي ساعدني.

لكن لأني استحقّيت الفرصة.

 

بعد ست شهور…

مسرح ميريديان فتح أبوابه.

مش كله.

لكن مركز بلو ستار كان جاهز.

أكتر من مية أسرة سجلت أول أسبوع.

وفي يوم الافتتاح، كانت ليلى هي اللي ماسكة المقص.

لابسة فستان أصفر جميل.

والجزمتين في رجليها.

أنا شخصيًا اتأكدت.

قصت الشريط.

الناس سقفت.

مارا عيطت.

وتاشا، صاحبتي، قالت إنها مش بتعيط، دي بس عينها دخل فيها تراب.

وقفت قدام صورة أمي وسليا.

وتحت الصورة كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها:

“الحاجات ممكن تبوظ… وبرضه ممكن تتصلح.”

دي كانت الجملة اللي اخترتها.

من غير أسماء.

من غير تماثيل.

من غير كلام كبير.

بس الحقيقة.

 

بعد ما الناس مشيت، لقيت هارون قاعد في الصف التالت.

قعدت جنبه.

“إنت مستخبي؟”

قال:

“بتفرج.”

“يعني مستخبي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى