روايات وقصص

ابني التؤام اللي عاش يزرع لاختة زهور

لكن التوقيت بعد عمر ب دقيقة.
رفع عينيه ناحيتي، وطلع منه صوت شبه شهقة مكتومة.
دول… بتوعنا؟
ما قدرتش أرد.
أنا نفسي ما كنتش فاهمة إزاي الحاجات دي موجودة هنا.
مد عمر إيده ناحية الصورة الموجودة في قاع الصندوق.
قلبها.
وفي اللحظة اللي شافها فيها، صرخ
ماما!
خدت الصورة بسرعة من إيده.
وكانت الصدمة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
في الصورة كان فيه طفلين حديثي الولادة نايمين جنب بعض تحت بطانية المستشفى.
واحد منهم كان وشه مليان ولونه وردي.
والطفلة اللي جنبه كانت أصغر، وحواليها خراطيم طبية رفيعة.
لكن أكتر حاجة شدت عيني…
كانت إيديهم.
إيد الطفل الصغير كانت قريبة من إيد الطفلة…
وصوابعها الصغيرة كانت ملتفة حوالين صوابعه.
عمر أشار للصورة بإصبعه لدرجة إنه لمسها بقوة.
ده… أنا.
بصيت للأسماء المكتوبة جنب الطفلين.
عمر.
ليلى.
وقعت على الأرض وسط النجيلة المبلولة.
لأ…
قعد عمر جنبي.
ماما،

ده أنا معاها.
قلت بصوت مش طالع مني
أنا شايفة المكتوب يا عمر.
بصلي بصدمة.
بس إنتِ قلتي إني ما قابلتهاش أصلًا.
أنا قلتلك اللي اتقال لي.
مسك الصورة تاني.
مين صور الصورة دي؟
وفجأة…
سمعنا صوت باب بيتفتح ورانا.
لفيت بسرعة.
كان أحمد، أبو عمر، واقف جنب الجراج.
لكن الغريب إنه كان لابس هدومه كاملة وجزمته في رجله.
كأنه صاحي من ساعات.
بصيت له…
وبعدين بصيت لزهور ليلى المتقطعة.
ورجعت بصيت له.
وفي اللحظة دي فهمت.
وقفت.
إنت اللي عملت كده.
أحمد قفل عينيه للحظة.
عمر لف له ببطء.
بابا؟
أحمد بدأ يمشي ناحيتنا.
عمر رفع الصورة قدامه.
ده أنا؟
أحمد رد
أيوه.
ومعايا ليلى؟
وقف أحمد على بعد خطوات مننا.
أيوه يا حبيبي.
عمر فضل باصص له.
وإنت كنت عارف؟
سكت أحمد لحظة.
أيوه.
وقفت وأنا ماسكة الصورة وإيدي بتترعش.
إنت اللي قطعت الورد؟
هز راسه.
أيوه.
رفعت الرسالة في وشه.
وإنت اللي كتبت الورقة دي؟
أيوه.
عمر بص حواليه للزهور المتقطعة.
وبعدين صرخ فيه
إنت قطعت جنينة ليلى؟!
قال أحمد بسرعة
أنا ما قلعتش البصيلات من الأرض يا عمر.
اتعصبت وقلت
والمفروض ده يفرق؟!
لأ.
أمال عملت كده ليه؟
بص أحمد للزهور المتناثرة على الأرض.
وقال
لأن كل سنة عمر بيختار وردة كاملة وجميلة لليلى، وياخدها لقبرها، ويسيب باقي الورد هنا. وكل عيد ميلاد بيتكرر نفس الشيء… وكنت عايزه يفهم إن السنة دي مش هتبقى عيد ميلاد تاني مبني كله على الحاجات اللي ليلى ما لحقتش تعيشها.
عمر بص له بعدم تصديق.
فعشان كده بوظت الورد كله؟
بلع أحمد ريقه.
كنت عايز أكسر الطقس اللي اتعودنا عليه… كنت عارف إنكم لو لقيتوا الصندوق بس، ممكن تخافوا تفتحوه. لكن بعد اللي حصل للورد، كنت عارف إنكم هتفتحوه.
وقفت بينه وبين عمر.
كان ممكن تطلب منه بنفسك إنه يغير العادة دي. لكن ما ينفعش تدمر حاجة ابنك بيحبها وتقول إنك بتعالجه.
عمر مسح وشه بإيديه.
وبعدين سأل أبوه
الصندوق ده عندك من إمتى؟
أحمد بص للصندوق الأسود.
وقال
من 15 سنة.
شهقت.
15 سنة؟!
هز راسه.
رفعت سوار ليلى.
يعني حاجات بنتي معاك من 15 سنة؟
أيوه.
والصورة دي كمان؟
بص للأرض.
أيوه.
صوتي علي
وإنت عمرك ما وريتهالي؟!
قال بصوت منخفض
ما قدرتش.
ما قدرتش؟!
في الأول كنت فاكر إن ده هيأذيكي أكتر. رجعتي من المستشفى وانتي بالكاد قادرة تتكلمي عن اللي حصل. وكل مرة كنت بحاول أفتح معاكي الموضوع كنتِ بتقفليه.
قلت بعصبية
الكلام ده ممكن يفسر أول كام أسبوع… أول كام شهر حتى. لكن ما يفسرش 15 سنة يا أحمد!
بص للصورة.
بعد فترة، لو كنت جيت أقولك الحقيقة، كان لازم أعترفلك كمان إني مخبيها عنك بقالى مدة. وكل سنة كنت بسكت فيها كانت بتخلي الاعتراف في السنة اللي بعدها أصعب.
يعني فضلت طول السنين دي تقرر بالنيابة عني؟
نزل عينه.
أيوه.
عمر كان ماسك طاقية ليلى الصغيرة بين إيديه.
رفع عينه لأبوه وسأله
ليلى عاشت قد إيه؟
أحمد ما ردش بسرعة.
بصيت له.
أحمد؟
مسح وشه بإيديه.
وقال
عاشت أطول من اللي إنتوا فاكرينه.
عمر قرب منه.
يعني إيه؟
قال أحمد
ليلى ما ماتتش بعد الولادة على طول.
حسيت قلبي وقف.
عاشت قد إيه؟
كام ساعة.
فضلت باصة له.
مش قادرة أصدق.
عمر قال
بس إنتوا قلتولي إنها بطلت تتنفس.
قال أحمد
وده حصل فعلًا… لكن مش فور ولادتها.
صرخت فيه
يعني سيبتني 15 سنة فاكرة إن بنتي ماتت قبل حتى ما أعرفها؟!
عيني أحمد احمرت.
كنتِ تعبانة جدًا. ووعيّك كان بيروح وييجي. وكل حاجة كانت بتحصل في نفس الوقت.
ده مش تفسير!
عارف.
أمال فسرلي!
سكت شوية، وبعدين بص لعمر.
مش هنا. فيه حد كان موجود في المستشفى يومها، ومستني يقابلنا الصبح.
عمر ضم الطاقية الصغيرة بين صوابعه.
مين؟
الممرضة اللي كانت مسؤولة عنك إنت وليلى في وحدة الأطفال حديثي الولادة. دورت عليها من شهور لحد ما وصلت لها. ولسه فاكرة اللي حصل في الليلة دي.
بصيت لأحمد.
حتى اللحظة دي…
كان لسه بيعمل نفس الحاجة.
يقرر لوحده.
يخطط لوحده.
وبعدين يبلغنا لما يشوف إن الوقت مناسب.
وقف عمر.
ماشي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى