
رن صوت الكبايات في السرايا كلها، فلف العمدة رجب راسه ناحية الباب وهو مكشر.
“مين اللي بره؟”
اتجمدت غزل مكانها، وعينيها مليانة دموع، ومقدرتش تنطق.
فتح سالم الباب، وبص لها وقال: “البت غزل يا خالي… الصينية وقعت من يدها.”
زجرها العمدة بنظرة حادة.
“هو الشغل بقى بالهوجة دي؟”
نزلت غزل راسها وقالت بصوت مخنوق: “حقك عليّ يا ساعدة البيه… غصب عني.”
قبل ما العمدة يرد، عز اتحرك خطوة لقدام.
“أنا اللي خضيتها يا بوي… كنت فاتح الباب مرة واحدة.”
بصله العمدة باستغراب.
“من إمتى وإنت بتدافع عن الخدم يا حضرة الظابط؟”
اتشد فك عز، لكنه حاول يسيطر على نفسه.
“الغلط يتشال على اللي عمله.”
العمدة سابه من غير رد، وبص لغزل.
“لمي الازاز، وبعدها روحي شوفي شغلك.”
“حاضر يا بيه.”
ركعت غزل على الأرض تجمع إزاز الكبايات، لكن إيديها كانت بترتعش.
وفجأة…
“آه!”
شهقت وهي سحبت إيديها، والالم بدأ يزيد في صباعها.
عز نزل بسرعة على ركبته قدامها، ومسك إيديها.
“وريني.”
حاولت تسحب إيديها.
“سيبني يا سي عز… الناس باصة.”
لكنه مكنش سامع غير صوت أنفاسها.
طلع منديله وكتم بيه الجرح.
“الالم شديد جدا.”
العمدة كان واقف بيتفرج، وعينه ضاقت.
أما سالم… فبدأ يحس إن اللي بينهم أكبر من مجرد شفقة.
في اللحظة دي، دخلت بنت لابسة عباية سماوي، ملامحها هادية، لكن فيها كبرياء واضح.
أول ما شافت عز ماسك إيد غزل، وقفت مكانها.
“السلام عليكم.”
رفع عز راسه بسرعة.
“وعليكم السلام.”
ابتسم العمدة لأول مرة.
“تعالي يا ندى… كنت لسة هسال عليكي واقول بنتي حبيبتي مشوفتهاش النهاردة لية كنها مش عايزة تشوف ابوها حبيبها اياك
………
وقف الغفير وهو بينهج، لكن العمدة رفع إيده وقال بحزم:
“خلاص… روح أنت، وأنا نازل حالًا.”
خرج الغفير، وبص العمدة ناحية البنت اللي كانت واقفة ساكتة، ملامحها متغيرة، وعينيها لسه معلقة على إيد عز اللي كان من ثواني ماسك إيد غزل.
ابتسم العمدة ابتسامة أبوية وقال:
“تعالي يا ندى… إنتِ مش غريبة عن الدار. دي دارك زي ما هي دار سالم.”
بصتله ندى وابتسمت بالعافية.
“تسلم يا عمي.”
ربت العمدة على كتفها.
“أنا كنت ناوي أقولك الخبر قبل أي حد… باعتبار عز أخوكي، وإنتِ وسالم متربين معاه من يوم ما كنتوا عيال.”
عز حس إن في حاجة جاية، فبص لأبوه باستغراب.
أما ندى… قلبها بدأ يدق بعنف.
قال العمدة بفخر:
“الليلة، قدام كبار البلد كلهم، هعلن خطوبة عز.”
لحظة…
الكلمة نزلت على ندى كأنها صدمة كبيرة.
لكنها تماسكت وسألت بصوت مهزوز:
“على… مين يا عمي؟”
رد العمدة وهو بيعدل عبابتة :
“على الآنسة ياسمين… بنت المأمور فاروق بيه.”
سالم ابتسم وقال:
“بنت المأمور اللي كانت بتدرس بره مصر؟”
“أيوه.”
كمل العمدة وهو واضح عليه الرضا:
“البت متعلمة، ورجعت من لندن من كام شهر. وأبوها كاتب كل أملاكه باسمها، وما عندوش غيرها. جوازة ترفع راس أي حد.”
فضلت ندى واقفة، لكن الدنيا بدأت تلف بيها.
الكلام بقى بعيد…
وصوت العمدة بقى ييجي ويروح.
“إيه يا بنتي؟ مال وشك اصفر إكده؟”
ابتسمت غصب عنها.
“مفيش… يمكن تعبانة شوية.”
لكن جواها…
كان في ألف صوت بيصرخ جواها .
يعني خلاص… عز هيبقى لغيري؟
من سنين وهي بتحبه.
من يوم ما كان بيركب الحصان ويجري في الغيطان، وهي واقفة من الشباك تتفرج عليه.
كانت كل ما ينجح، تفرح.
وكل ما يغيب، تستناه. عمرها ما قالت لحد.
ولا حتى لأخوها سالم.
كانت فاكرة إن اليوم اللي هيطلبها فيه هييجي…
لكن جه لواحدة تانية.
ورغم الوجع…
اللي كسرها أكتر، إنها شافته من شوية ماسك إيد غزل، وعينيه كلها خوف عليها.
رفعت عينيها ناحية عز.
كان واقف، لكن ولا مرة بص لها.
كل نظره كانت بتدور على غزل…
اللي كانت واقفة آخر الطرقة، بتحاول تخبي الجرح اللي في إيديها.
ندى عضت على شفايفها.
وقالت فجأة وهي بتحاول تبان هادية:
“واضح إن حضرة الظابط بقى حنين على الخدم أوي.”
رفع عز عينه وبصلها.
“تقصدي إيه؟”
ابتسمت بسخرية.
“ولا حاجة… أصل أول مرة أشوف ابن عمدة ينزل على ركبته عشان يربط صباع خدامة.”
غزل نزلت راسها في الأرض، واتمنت لو الأرض تنشق وتبلعها.
أما عز… فاتغيرت ملامحه. وقال بصوت ثابت:
“أنا ربطت جرح إنسانة… مش جرح خدامة.”
ندى ضحكت ضحكة قصيرة، كلها قهر.
“واضح إن الإنسانية دي ليها مكانة كبيرة عندك.”
رد عز من غير ما يرمش: “أكبر مما تتخيلي.”
أول ما خرجت الكلمة…
عرف إنه قال أكتر مما كان ينوي.
غزل رفعت عينيها عليه بصدمة.
وسالم بقى ينقل نظره بينهم، وكأن أول خيط في السر بدأ ينكشف.
أما ندى…
فحست إن قلبها اتكسر قدامها.
لكنها بلعت وجعها وقالت وهي بتبص لغزل:
“خلي بالك من جرحك يا غزل… ساعات الجروح الصغيرة هي اللي بتسيب أكبر أثر.”
ردت غزل بصوت واطي:
“الحمد لله… كلها كام يوم وتخف.”
بصتلها ندى نظرة غامضة وقالت:
“مش كل الجروح بتخف يا غزل… في جروح بتفضل العمر كله.”
ولأول مرة…
اتفقت نظرات البنتين.
واحدة بتحارب حب مستحيل.
والتانية بتحاول تهرب من حب عارفة إنه لو اتكشف… هيحرقها هي وأصحابه كلهم.
………




