روايات وقصص

عز وغزل بقلم انجي الخطيب 6

غمض عيونه لحظة، فظهرت قدامه صورة غزل وهي قاعدة لوحدها بتترعش في البرد، فشد على كفه بقوة لحد ما عروقه برزت ، وعز في نفسه: الصبر.. بكرة يحلها الحلال.
……..
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة بلونها الذهبي الحامي، والزغاريد بصوتها العالي المخصوص ملأت جنبات السرايا كلها. الست “نفيسة”، أم عز، دخلت الجناح بفرحة كبيرة وهي معاها الخدامة شايلة صينية الفطار الكبيرة المليانة أصناف الصعيد الدسمة، ومعاها اتنين من الخدمات بيزغردوا بصوت ملي السرايا كلها.

قربت نفيسة من ابنها، بابتسامة واسعة، وقالت بصوت مالي الكل:
“صباح الفل يا عريس! ألف مبروك يا ضل عيني.. طمني يا ولدي.. هاه.. فين شرفها اللي خدته إمبارح؟ رفعت راسنا ورأس عيلة العزايزة وسط البلد كلتها؟”
ساد الصمت في الجناح فجأة.. وكأن السقف وقع على الكل.
عز ماردش.. فضل باصص برة الشباك، والسيجارة بين صوابعه بتطلع دخان بطيء.
“عز! ما ترد عليا يا ابني.. مالك واقف ساكت اكده ليه؟ هو إيه اللي حوصل؟”
لف عز ببطء، وعيونه كانت جامدة وباردة زي الصخر، وبص لأمه وقال بصوت هادئ ومستفز لأعصاب الكل:
“ما دخلتش عليها يا أمي.”

اتفتحت عيون نفيسة على آخرها، وكأنها متصورة إنها سامعة غلط. صرخت بصدمة وهي ماسكة صدرها:
“مـا دخلتش عليها؟! يعني إيه ما دخلتش عليها يا عز؟! إنت اتجننت ولا جرى لعقلك ايه في ليلة دخلتك؟! عروستك قاعدة قدامك أهي.. إزاااي؟!”
تقدمت ياسمين بخطوات هادية، وقالت بصوت ناعم بس مليان سم، وهي بتبص لعز بتحدي:
“اسألي حضرة الظابط ابنك يا حاجة .. اسأليه ليه سابني في ليلة دخلتي ونزل يجري في الشوارع عشان يدور على خدامة، ولما رجع.. كان همّه الوحيد إنه يقلل مني ويكسرني، كأنه متجوزني غصب عنه!”
التفتت نفيسة لعز، وعيونها مليانة غضب وعتاب شديد، وقالت بصوت طالع منخفض من الصدمة:
“للدرجة دي يا عز؟! تفضل البت الشغالة على بنت المأمور وعلينا كلنا في ليلة زي دي؟! دي عار يا عز.. عار هتطلعه البلد كلها علينا!”

بص عز لأمه بيأس مكبوت، وبعدين وجه نظره الحاد لياسمين اللي كانت بتبتسم بغرور، وقال بصوت أصدم الكل:
“العار الحقيقي.. هو إنكم فاكرين إن الجواز غصب وبنتوه علي حسابتكم انتوا .. بس اسمعوها مني أنتوا الاتنين، وكلامي مش هعيده تاني: ياسمين في عصمتي َدخلتي عليها هتمها مش عشانوارضيكي با امي لا عشان اربيها واعرفها اني راجل ، لكن قسمي أني مقربش منها تاني بعد دخلتي عليها دا ملكي انا واللي هيغصبني علي حاجة تاني قسما بربي ، الهدنة اللي بيني وبين الكل هتخلص، ووقتها ماليش كبير!”
#انجي_الخطيب

رفعت الحاجة نفيسة إيديها الاثنين ولطمت على خدها من صدمة الكلام، وصرخت بصوت جاب آخر السرايا:
“يا نهار أسود ومطلعتلوش شمس ! نهارك مش فايت يا عز! بتعاند أبوك وبتعاند البلد كلها عشان اية؟! أنت اتجننت في مخك بجد ولا عيون حسدتك يا ولدي ؟!”
ياسمين وقفت من على السرير، وجسمها كله بيترعش من قمة الغيظ والقهر، وعيونها بتطلع شرار. بصت لعز وقالت بصوت مخنوق من كتر الغضب:
“يعني إيه هتدخل عليا عشان تربيني وبس؟! أنا بنت المأمور يا عز، مش جارية جيبتها من الشارع! وبكره أبويا لو عرف بالمهزلة دي، البلد دي هتقوم ومش هتقعد، وهتندم على الساعة اللي فكرت فيها تتحداني!”

ولا كأنه سمع صوتها أصلاً. عز طفى السيجارة في الطفاية ببطء وثبات أعصاب ، ورفض حتى إنه يبص لها. وبعدين نقل عيونه لأمه اللي كانت بتترعش من الغضب، وقال بصوت حاسم وقطع أي نقاش تاني:
“كلامي اتقال وخلصتة وانتهى يا أمي.. جهزي نفسك لليلة، وبعدها مش عايز أسمع صوت حد بينطق بحرف في الموضوع دا واصل.”
سابهم واتحرك بخطوات واسعة وقوية، وفتح الباب وطلع برة الجناح وقفل الباب وراه بقوة هزت حوائط السرايا، وسبهم في حالة صدمة وجنون لا توصف.
في الممر الطويل، كان سالم واقف مستنيه ووشه ميطمنش. أول ما شاف عز طالع، جري عليه بخطوات سريعة وقال بصوت مخضوض:
“الحق يا عز .. العمدة عرف باللي حوصل فوق، والدنيا قايمة تحت ومش قعدة، مرتك اتصلت علي ابوها فاروق المأمور وهو كلم العمدة وقالة انه جي في الطريق على هنه ومعاه ، وشكله كده جاي ناوي على شر كبير!”
وقف عز، وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة وتحدي أعمى، وقال بصوت هادئ:
“خليه ييجي.. كنت مستنيه .”
#انجي_الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى