
رد عز:
“كل دار كبيرة فيها أسرار.”
لفت تبصله مباشرة.
“وأسرارك إنت؟”
“معنديش.”
ضحكت.
“دي أول كدبة.”
سكت.
قربت منه خطوة.
“أنا بشتغل في علم النفس الجنائي… وبعرف أقرا الناس.”
رفع حاجبه.
“وصلتي لإيه؟”
قالت وهي مبتسمة:
“وصلت إنك مش مبسوط بالجوازة دي.”
مردش.
“ووصلت كمان… إن قلبك مش فاضي.”
لأول مرة…
بصلها مباشرة.
“إنتِ جاية تحققي معايا؟”
“لا.”
“أمال؟”
“جاية أعرف الراجل اللي بابي اختاره ليا ”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بثقة:
“بس فيه سؤال محيرني.”
“إيه هو؟”
“الخدامة اللي تحت…”
اتشدت ملامح عز.
“… مالها؟”
قالت وهي بتراقب رد فعله:
“ليه كل ما اسمها يتجاب… عينك بتتغير؟”
وقبل ما يجاوب…
كانت غزل معدية قدام الباب، شايلة صينية القهوة للمندرة.
وقبل ما تكمل خطوتين…
سمعت ياسمين بتقول من جوه:
“لو بتحبها… قول دلوقتي، قبل ما حياتنا إحنا الاتنين تضيع.”
اتجمدت رجلين غزل.
الصينية اتهزت في إيديها.
وقلبها وقف وهي مستنية تسمع…هيقول إيه؟
فضلت غزل واقفة برا الباب، أنفاسها متقطعة، وإيديها بترتعش وهي ماسكة صينية القهوة.
جوا…
فضل عز ساكت.
ياسمين عقدت دراعاتها وقالت بابتسامة هادية:
“السكوت ساعات بيكون إجابة.”
رد عز من غير ما يبصلها:
“وفيه سكوت بيكون احترام.”
“احترام لمين؟”
“لبنت لسه متعرفهاش.”
ابتسمت بخفة.
“يبقى خليني أسألك بطريقة أوضح… في واحدة في حياتك؟”
رفع عينه وبصلها.
“حتى لو فيه… ده شيء يخصني.”
ضحكت ياسمين وقالت:
“إذن فيه.”
رد ببرود:
“أنا ما قلتش اكده.”
“بس ما أنكرتش.”
اتنهد عز.
“واضح إنك متعودة تحققي مع الناس.”
“دي طبيعة شغلي.”
“وأنا مش متهم.”
“ولا أنا قاضي.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“أنا بس واحدة رافضة تبدأ حياتها مع راجل قلبه مع واحدة تانية.”
برا الباب…
غزل حست إن قلبها هيطلع من مكانه.
كانت مستنية تسمع اسمهـا.
لكن عز فضل ساكت.
ياسمين هزت راسها وقالت:
“السكوت ده كفاية بالنسبة لي.”
لفت تمشي.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب…
اتفاجئت بغزل واقفة قدامها.
بصت للصينية… وبعدين لوش غزل اللي كان باين عليه الارتباك.
ابتسمت وقالت بهدوء:
“القهوة لينا؟”
غزل نزلت عينيها.
“أيوه يا هانم.”
مدت ياسمين إيديها تاخد الفنجان، لكنها لمحت المنديل الملفوف على صباع غزل.
“إيدك مالها؟”
قبل ما غزل ترد…
قال عز من جوه:
“اتجرحت وهي بتلم الإزاز.”
لفت ياسمين تبصله.
“واضح إنك واخد بالك من كل تفصيلة.”
عرف عز إنه وقع في غلطة.
فصلح دا وقالها طبيعة شغلي بتحكم عليا كدا..
أما غزل، فحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
أخدت ياسمين الفنجان، وشربت رشفة صغيرة، وبعدين قربت من غزل لحد ما بقى صوتها واطي محدش يسمعه غيرها.
“إنتِي بقالك قد إيه شغالة هنا؟”
“شهر يا هانم.”
“أمم…”
سكتت لحظة، وهي بتبص في عينيها.
“نصيحة مني… خليكي عارفة حدودك.”
اتجمدت غزل.
“مش فاهمة.”
ابتسمت ياسمين، لكن ابتسامتها كان فيها تحذير واضح.
“هتفهمي مع الوقت.”
وسابتها ونزلت السلم.
غزل فضلت واقفة مكانها، والدموع محبوسة في عينيها.
دخل عز بسرعة.
“قالتلك إيه؟”
هزت راسها.
“ولا حاجة.”
“غزل…”
قاطعته وهي بتبعد عنه خطوة.
“لو سمحت يا سي عز… بلاش تكلمني لوحدنا تاني.”
اتفاجأ.
“ليه؟”
“لأن كلام الناس عمره ما بيرحم.”
“وأنا مالي بكلام الناس.”
ردت بصوت مكسور:
“بس أنا يهمني.”
قرب خطوة.
“غزل…”
رفعت إيديها تمنعه يقرب.
“لا… لو سمحت.”
كانت أول مرة تمنعه بالشكل ده.
“إنت بعد كام يوم هتخطب واحدة من مقامك… وأنا مجرد خدامة في داركم.”
قال بسرعة:
“أنا موافقتش.”
“بس هتوافق.”
“مين قال؟”
ابتسمت بوجع.
“أبوك حضرة العمدة.”
لأول مرة…
عز معرفش يرد.
وفي اللحظة دي، دوى صوت طلقة نار من برا السرايا.
وبعدها مباشرة…
دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… إلحق!”
خرج الكل يجري.
العمدة وقف قدامه وقال بحدة:
“في إيه؟”
الغفير كان بينهج.
“في واحد رمى جواب في نص الدوار… وقال يتسلم للعمدة بإيده… وبعدها مشي.”
ناول العمدة ظرف.
فتحه بسرعة.
وأول ما وقعت عينه على أول سطر…
اتغير لون وشه.
لكن سالم كان أسرع، وخطفه من إيده.
قرأ أول جملة بصوت عالي من غير قصد:
“لو عايز السر اللي دفنته من عشرين سنة يفضل مدفون… ابعد البنت غزل عن دار العمدة قبل ليلة الخطوبة.”
ساد صمت مرعب.
وكل العيون اتحولت ناحية غزل… وكأنها بقت فجأة مفتاح السر اللي هيقلب البلد كلها.
#انجي_الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




