
رفعت ندي عينيها ناحية عز تاني ، وقالت بابتسامة باهتة، لكن كلامها كان كله شوك:
“طيب امتي بقي يا عز هتسيب السرطة وتتعين في مستشفي البلد دكتور .”
بصلها عز باستغراب.
“يعني؟”
قالت وهي بتبص لغزل اللي كانت واقفة آخر الطرقة:
“اصل أول مرة أشوفك تعالج جرح حد من امتي بقيت تعرف تمرض مجروح ومش اي مجروح دي الخدامة هما الخدامين بقي ليهم قيمة عاد”
اتوترت غزل، ونزلت راسها.
أما عز، فرد بهدوء:
“الخوف على الناس مش عيب والخدامين بني ادمين زيما زيهم ومش معني انهم بيعملوا لينا خدمه نقلل منهم ومن قيمتهم .”
ضحكت ندى ضحكة خفيفة.
“الناس؟… ولا غزل بالذات؟”
سالم حس إن الجو بدأ يسخن.
راح نده علي اختة بصوت في شدة وقال “ندى…”
لكنها كملت وهي باصة لعز:
“أنا مستغربة بس… جرح صغير في صباعها خلاك تنسى اللي حواليك.”
رد عز وهو ثابت في مكانه:
“لأنها كانت بتتوجع.”
قالت ندى بمرارة:
“واضح إن تعبها غالي جدا عندك.”
لأول مرة…
ملامح عز اتغيرت.
وقال بصوت حاسم:
“كل إنسان تعبه غالي جدا.”
ردت بسرعة:
“بس مش كل إنسان تنزل تمسك إيده قدام الناس.”
غزل حست إنها سبب الخلاف، فلفت تمشي.
لكن عز ناداها:
“استني يا غزل.”
وقفت مكانها.
طلع المنديل من جيبه، ومده ليها.
“لفي الجرح كويس… عشان ميجيبش صديد.”
مدت إيدها وهي مرتبكة.
“شكرًا يا سي عز.”
ندى كانت بتراقب المشهد، وكل كلمة بينهم كانت بتوجعها أكتر.
همست لنفسها:
“عمره ما بصلي البصة دي…”
وفي اللحظة دي…
دخلت الحاجة فهيمة من آخر الطرقة وهي بتزعق:
“غفران… يا غفران… إلحقني يا راجل.”
جرى عز عليها.
“مالك يا ستي؟”
مسكت إيده وهي مرعوبة.
“الدار مليانة ناس لابسة أسود… جالولي راجل الدار مات.”
اتجمدت الملامح.
بص العمدة لأمه بحزن.
أما غزل…
فكانت أول واحدة جريت حضنت الحاجة فهيمة وهي بتهديها.
المشهد كله كان قدام عز…
وفي ثانية واحدة، نسي خطوبته… ونسي ندى… ونسي كل اللي حوالينه.
لكن ندى ما نسيتش…
وشافت بعينيها إن أول واحدة جريت على قلب عز قبل جدته…
كانت غزل.
………
الحاجة فهيمة كانت بتصرخ وهي متعلقة في عز.
“متسيبنيش يا ولدي… أبوك غفران مات، والناس كلها جاية تعزيني.”
شدها عز لحضنه وهو بيحاول يخبي دموعه.
“حاضر يا ستي… محدش هيسيبك.”
لكن العمدة رجب كان واقف ساكت، والوجع باين في عينيه.
قرب من أمه، باس راسها وقال:
“أمي … الحج غفران في رحمة ربنا من سنين.”
زقته بإيدها وهي بتعيط.
“متكدبش عليّ… أنا سمعتهم بيجولوا إنه مات.”
وقبل ما حد يرد…
كانت غزل قربت منها بهدوء، ومسكت إيديها بحنية.
“تعالي يا حجة… تعالى نجعد في أوضتك، وأنا هفضل وياكي.”
بصت لها الحاجة فهيمة كأنها شايفاها لأول مرة.
“إنتِ مين يا بتي؟”
ابتسمت غزل رغم دموعها.
“غزل يا حجة.”
فضلت الحاجة تبصلها كام ثانية، وفجأة لمست خدها.
“لا… إنتِ مش غزل.”
اتسمرت غزل مكانها.
العمدة رفع راسه بسرعة.
حتى عز بص لجدته باستغراب.
الحاجة فهيمة قربت وشها من غزل أكتر، وهمست:
“إنتِ… شبها.”
سألها عز بسرعة:
“شبه مين يا ستي؟”
فضلت ساكتة، وعينيها مليانة خوف.
وبعدين هزت راسها بعنف.
“لا… لا… محدش يعرف.”
وفجأة دفعت إيد غزل بعيد عنها، وصرخت:
“خرجوها… خرجوها من الدار.”
اتخضت غزل ورجعت لورا.
“أنا عملت إيه يا حجة؟”
الحاجة كانت بتصرخ هستيري.
“خرجوها… دي هترجع المصايب للدار.”
العمدة قرب من أمه يحاول يهديها.
“أمي … اهدي.”
لكنها كانت بتشاور على غزل وهي بتترعش.
“البنت دي… وشها أنا شوفته جبل إكده… جبل سنين.”
الكل سكت مستغربين .
عز بص لأبوه، ولاحظ إن وش العمدة اتغير فجأة.
ثانية واحدة…
واختفت ملامح القوة من وشه.
قال بسرعة وهو بيحاول ينهي الكلام:
“الحاجة تعبانة… كلامها من المرض.”
لكن سالم كان مركز في رد فعل خاله أكتر من كلام الحاجة.
وقال وهو بيضيق عينه:
“خالي… هو إنت تعرف حاجة؟”
رفع العمدة عينه فيه.
“أعرف إيه؟”
“وشك اتغير أول … ستي … قالت إنها شافتها قبل كده.”
رد العمدة بعصبية:
“بتفتش ورا كلام ست كبيرة مريضة عقلها خف من المرض ؟”
“بس…”
“مفيش بس.”
الكلمة خرجت حادة.
لدرجة إن الكل سكت.
غزل كانت واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف، ومش فاهمة ليه كل ده حصل.
أما ندى…
فكانت أول مرة تبعد عينيها عن غزل، وتبص للعمدة.
وقالت في سرها:
“في سر… والسر ده ليه علاقة بالبنت دي.”
في نفس اللحظة…
دخل راجل عجوز، لابس جلابية سودا وعصاية في إيده.
أول ما شاف غزل…
وقع العصاية من إيده.
“معجول…!”
لفوا كلهم ناحيته.
قال وهو بيشاور عليها بإيد بتترعش:
“دي… دي نسخة من أمها.”
اتجمد العمدة مكانه.
وبص للعجوز بنظرة كلها تحذير.
لكن الراجل كان سبق لسانه…
وقال الجملة اللي قلبت السرايا كلها:
“دي بنت… نجاة.”



