روايات وقصص

حماتي حطت الوسادة حكايات شروق خالد

ودلوقتي، روزا إلينا كانت بالضبط في المكان اللي فاليريا توقعت إنها هتيجي له.

ستة.

سبعة.

تمانية.

الضغط زاد.

تسعة.

عشرة.

فاليريا حرّكت إبهامها بصعوبة بالغة.

وفجأة الباب اتفتح بعنف.

«شرطة! ابعدي الوسادة!»

روزا إلينا اتجمدت مكانها.

دخل اتنين من الضباط؛ واحد منهم شال الوسادة، والتاني كبّل إيديها وهي بتصرخ:

«دي خدعة! الست دي مجنونة!»

فاليريا بدأت تلهث بصعوبة.

ولأول مرة من ساعة ما وقعت، حست إن كل ده ممكن يكون خلص.

لكن جوليان دخل من غير أي احتفال.

كان ماسك ملف قديم لونه أصفر من الزمن.

«فاليريا، قبل ما تسألي عن ماوريسيو، فيه حاجة لازم تعرفيها.»

قرّب جوليان الملف وحطه على السرير، في مكان تقدر فاليريا تشوفه بوضوح.

صورة.

لست ثانية في العشرينات من عمرها، نايمة على سرير مستشفى ومشبوكة في نفس أجهزة التنفس، وشبه فاليريا لحد يرعب.

جوليان قرب الملف أكتر وقال بنبرة هادية بس حاسمة: «دي ماريا.. مرات ماوريسيو الأولى. من أربع سنين، التقرير الطبي قال إنها وقعت من على السلم في بيتهم القديم. وقتها روزا إلينا هي اللي شهدت وقالت إنها حادثة، والقضية اتقفلت.. وماوريسيو كسب قضية التأمين وأخد المبلغ كله.»

فاليريا حسّت كأن المية الساقعة اتصبت على جسمها كله المشلول جوه الجبيرة. النفس خرج منها بحشرجة مكتومة: «يعني.. يعني هو كان متفق معاها؟»

جوليان هز راسه وقال: «مش متفق بس.. ماوريسيو هو اللي كان بيدير المشهد من ورا الستار من أول يوم. أمه ما كانتش أكتر من منفذ برغبة عمياء للسيطرة، وماوريسيو أمّن على حياتك بمليون دولار من ست شهور بس، وكان مستني أمه تخلص الشغلانة دي بداله عشان يطلع هو بالورثة ودور الزوج المكسور قدام الناس.»

في الطرقة بره، كان صوت روزا إلينا لسه بيصرخ وهو بيبعد تدريجيًا مع خطوات الضباط اللي بيسحبوها: «ابني مالوش دعوة! أنا اللي عملت كده! هي اللي كانت هتخرب بيته!»

جوليان بص للباب بابتسامة باردة، وبعدين طلع موبايله وحطه جنب فاليريا: «هي فاكرة إنها بتحميه، بس ما تعرفش إن المايك الصغير اللي كان متثبت تحت سريرك سجّل كل حاجة.. بما فيها المكالمة اللي دارت بينها وبينه قبل ما تدخل عليكي بـ خمس دقايق لما قالها بالنص: “تأكدي إن الوسادة كاتمة للصوت كويس يا أمي، مش عايزين أي دوشة”.»

فاليريا غمضت عينيها. الوجع اللي في فقراتها وضلوعها المكسورة ما اختفاش، بس الثقل اللي كان كاتم على صدرها انزاح تمامًا. أخيرًا، ماوريسيو اللي فاكر نفسه ذكي وراجل مثالي قدام الناس، قوة من الشرطة كانت بتبتفيض بيه وبيلبس الكلبشات في نفس اللحظة دي وهو خارج من شركته.

جوليان طمنها بصوت دافي وهادي قبل ما يخرج من الأوضة: «ارتاحي يا فاليريا.. الكابوس انتهى، وحقك وحق ماريا رجع خلاص.»

مرت بضع ساعات والهدوء بيسود الأوضة لأول مرة من أيام. فاليريا فضلت باصة للسقف، حاسة بوجع كل عظمة مكسورة في جسمها، بس الخوف اللي كان جاسم على صدرها اختفى تمامًا.

ومع أول خيط من نور الشمس، الباب اتفتح تاني.

المرة دي دخل جوليان، ووراه اتنين ضباط بيسحبوا ماوريسيو وهو متكلبش. القميص العقاري الشيك اللي كان دايماً بيتباهى بيه كان متوسخ ومجعلك، ووشه أصفر زايغ ومفيش فيه نقطة دم.

جوليان شاور للضباط يقفوا عند الباب، وساب ماوريسيو يقرب خطوات من السرير تحت نظرات التحذير.

ماوريسيو حاول يجمع باقي تمثيله، ووشه اتغير لنظرة انكسار مزيفة، وبدأ يتكلم بصوت يرتعش: «فاليريا.. صدقيني، أنتِ فاهمة غلط! أمي مجنونة.. هي اللي خططت لكل ده من ورايا! أنا ما كنتش أعرف إنها هتوصل لكده، أنا بحبك يا فاليريا، مش ممكن أؤذيكي!»

فاليريا بصت له بنظرة هادية جدًا، خالية من أي دمعة أو خوف. لأول مرة كانت شايفاه على حقيقته: مجرد جبان بيستخبى ورا أمه عشان يلم الفلوس.

ردت عليه بصوت واطي بس حاسم، كل كلمة تطلع زي الرصاصة: «التأمين اللي بمليون دولار كان سوء فهم؟ تسجيلك صوت وصورة وأنت بتقولها تكتم نفسي بالوسادة كان من وراك؟ ولا ماريا اللي رميتوها من على السلم وكانت فاكراك جوزها وسندها؟»

ماوريسيو وشه اتقلب، وعينيه اتسعت برعب لما سمع اسم ماريا. شفايفه اترعشت، وحاول يدور على كدبة جديدة، بس القناع الكداب اللي عاش بيه سنين انكسر في ثواني ومبقاش عنده حاجة يقولها.

جوليان حط إيده الصلبة على كتف ماوريسيو وسحبه لورا بقوة: «كفاية رغاي وتمثيل يا ماوريسيو. النيابة مستنياك، والمرة دي التسجيلات الصوتية وتقرير إعادة فتح قضية ماريا مش هيسيبولك أي فرصة للهروب.»

وهو بيتسحب بره الأوضة، ماوريسيو بص لها بصراخ يأس وحقد: «مش هتعرفي تعيشي من غيري يا فاليريا! هتموتي لوحدك!»

فاليريا ابتسمت لأول مرة من يوم الحادثة، ابتسامة هادية مليانة قوة وهي بتبص لنور الشمس اللي غمر الأوضة: «بالعکس يا ماوريسيو.. حياتي يلا بتبدأ دلوقتي، من غيرك.»

بعد ست شهور، المستشفى ما بقتش المكان اللي فاليريا بتصحى فيه كل يوم برعب. الجبيرة الصلبة الكبيرة اتفكت، والمراية بقت بتعكس ست تانية خالص؛ ورغم ندوب الجروح اللي على جسمها، كان في عينيها لمعة أمل وقوة حقيقية بعد ما أثر الخوف اختفى تمامًا. كانت واقفة في مركز العلاج الطبيعي بتضغط على رجلها ومستندة على عصاية خفيفة، بتحاول تاخد خطواتها الأولى بنفسها بثبات.

الباب اتفتح ودخل جوليان، بس المرة دي ما كانش لابس بدلة الشغل الرسمية ولا شايل ملفات أبحاث، وكانت ابتسامته دافية وواضحة. حط على التربيزة اللي جنبها مظروف أبيض كبير وقال: «القاضي نطق بالحكم الأخير النهاردة. ماوريسيو أخد مؤبد في قضية قتل ماريا والشروع في قتلك، وأمه أخدت حكم مش هيسمحلها تشوف الشارع تاني بقية حياتها. وبوليصة التأمين المزعومة اتلغت تمامًا، المحكمة حكمت ببيع بيت زابوبان وتوجيه فلوسه بالكامل لتغطية علاجك والتعويضات.»

فاليريا مسكت العصاية بإيد، وبالإيد التانية أخدت نفس عميق ووقفت بطولها من غير ما تتسند على الممرضة اللي جنبها. بصت لجوليان وقالت بنبرة هادية بس فيها ثقة أول مرة تحس بيها من سنين: «عارف يا جوليان.. هما كانوا فاكرين إن العظم لما بيتكسر بيخلي البني آدم ضعيف ومكسور للابد، بس ما يعرفوش إن العظمة لما بتلتحم بتطلع أصلب بكتير من الأول.»

ابتسم جوليان وهز راسه باحترام: «عندك حق.. ودلوقتي، تقدر تفكري هتعملي إيه في خطوتك الجاية؟»

فاليريا بصت للشباك، للشارع المفتوح ونور الشمس اللي بيملى المكان، وقالت بصوت واثق ومبتسم: «هسافر، هغير Guadalajara كلها، وهرمي كل المفاتيح القديمة من حياتي.. وهبدأ من جديد، في بيت أنا اللي هختاره بنفسي، من غير أبواب مقفولة ولا بلكونات تخوف.»

بعد تلات شهور، كانت فاليريا واقفة قدام باب بيت «زابوبان» للمرة الأخيرة. المكان اللي كان بالنسبة لها سجن مظلم، بقى مجرد جدران باردة مستنية المشتري الجديد ياخد مفاتيحها. جوليان كان واقف جنب العربية في الشارع، حاطط إيديه في جيبه وبيبص لها بهدوء وهو حاسس بالتغيير الجذري اللي حصل جواها. قرب منها وسألها بصوت هادي: «متأكدة إنك عايزة تدخلي جوا بنفسك؟ ممكن الضباط يجيبوا أي حاجة فاضلة لكِ في ثواني.»

فاليريا هزت راسها بنفي وثبات، ومشيت بخطوات متزنة بثقة من غير ما تستند على عصايتها. «لازم أدخل يا جوليان.. فيه حاجات البني آدم لازم يواجهها بنفسه عشان يقفل بابها للأبد.»

فتحت الباب القديم اللي كان في يوم من الأيام مصدر رعبها. الصالة كانت فاضية، وريحة التراب مغطية المكان، بس الخوف اللي كان بيخنقها زمان ما بقاش له أي وجود. مشت ببطء لحد ما وصلت للبلكونة اللي اتكتبت عندها نهايتها القديمة. وقفت قدام السور الصلب، بصت للإرض تحت في الجنينة اللي وقعت فيها بجسم مكسور قبل ست شهور. قلبت الذكريات في دماغها، بس المرة دي من غير ما قلبها يدق برعب أو عينها تدمع.

طلعت من جيبها المفتاح الفضي الصغير.. نفس المفتاح اللي كانت روزا إلينا بتستغله عشان تدخل بيتها وتتحكم في حياتها وفي النهاية تحاول تقتلها. بصت له لحظة، وبعدين رمته بقوة من البلكونة، وراحت عينها وراه وهو بيختفي جوه فتحة الصرف اللي تحت الجدار. الصوت المكتوم لخبطته تحت كان كأنه نغمة الخلاص الأخير.

لفت وشها ولقت جوليان واقف عند باب البلكونة وبيبتسم لها بإعجاب: «كده الحساب اتقفل تمامًا.»

فاليريا ابتسمت وهي بتمسك شنطتها الصغيرة اللي فيها أوراقها الرسمية وحاجاتها الخاصة: «أكتر من تمامًا.. أنا حجزت تذكرة الطيران لمكسيكو سيتي، وهناك هبدأ أشتغل في مؤسسة لدعم الستات اللي تعرضوا للعنف.. مش هسيب حد يمر باللي مريت بيه لوحدي تاني.»

نزلوا مع بعض للشارع، وقبل ما تركب العربية، بصت للبيت للمرة الأخيرة وابتسمت بامتنان للنهاية اللي صنعتها بإيدها. ركبت جنب جوليان، والعربية تحركت فورًا. وفي المراية الجانبية، كان البيت بيصغر ويختفي تدريجيًا، بينما كانت أضواء الشارع ونور الشمس الدافي بيغطوا وشها، معلنين إن القصة دي ما انتهتش بمأساة.. بل بـ حياة جديدة اتولدت من قلب الرماد.

تمت

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى