منوعات

حماتي

طلعت لأكبر جناح في آخر دور، وقفت قدام الواجهة الزجاجية الكبيرة والقاهرة كلها منورة تحتي.
طلعت شريحة الموبايل اللي كنت بستخدمها طول الـ 3 سنين اللي فاتوا، كسرتها نصين ورميتها في الزبالة.
وبعدين ركبت شريحة جديدة في موبايل تاني، فتحت جهات الاتصال، وكان فيه رقم واحد محفوظ، ضغطت اتصال.
الرد جه من أول رنة تقريبًا، صوت راجل كبير، هادي ومألوف قال:
ألو؟
بلعت الغصة اللي في حلقي، ولأول مرة من 3 سنين سمحت لنفسي أقول الجملة اللي كنت مأجلاها:
أنا رجعت يا بابا.
سكت الطرف التاني ثواني، وبعدين جه صوته:
يارا؟
غمضت عيني: أيوه.
خلاص؟
بصيت لانعكاس وشي في الإزاز، أثر صوابع حسام كان لسه ظاهر على خدي، قلت:
خلاص. نفّذ اللي اتفقنا عليه.
صوت والدي اتغير فورًا: متأكدة؟
جدًا.
سكت ثانية ثم قال: اعتبريه حصل.
قفلت المكالمة، ولأول مرة من 3 سنين… نمت وأنا مرتاحة.

الصبح، حسام صحي مبسوط. لبس بدلة جديدة، وحط أغلى برفان عنده، واختار كرافتة كان محتفظ بيها لمناسبة مهمة.
لأن اليوم ده بالنسبة له كان بداية مرحلة جديدة.
المشروع اللي ماسكه في الشركة، واسمه “رؤية المستقبل”، كان ماشي بشكل ممتاز، والإدارة العليا كانت مركزة معه جدًا، ولو المشروع نجح كان شبه ضامن ترقية كبيرة وزيادة محترمة في المرتب.
حتى إنه وهو سايق كان بيفكر: بعد الترقية أبيع العربية وأجيب موديل أحدث.
وصل الشركة حوالي 8:30، لكن من أول ما دخل حس إن فيه حاجة غلط.
المكان اللي كل يوم مليان كلام وضحك وحركة، كان ساكت بشكل غريب.
الموظفين قاعدين على مكاتبهم ووشوشهم متوترة، وفيه مجموعة رجالة وستات لابسين بدل رسمية بيتحركوا بين الإدارات.
على الكروت المعلقة في رقبتهم مكتوب: “مكتب الرئيس التنفيذي – الإدارة المركزية للمجموعة”.
قلب حسام اتقبض، وقف واحد من زمايله وسأله: هو فيه إيه؟
الراجل هز راسه: معرفش. بس الناس دي وصلت من المقر الرئيسي الصبح بدري، وطلبوا ملفات كل المشاريع والعقود.

مشروعي كمان؟
الراجل بصله لحظة وقال: خصوصًا مشروعك.

الساعة 9:30 صباحًا، جالهم إيميل عاجل: اجتماع إلزامي لجميع الموظفين في قاعة الاجتماعات الرئيسية.
دخل حسام القاعة، وبعد دقائق دخل نائب رئيس تنفيذي تم إرساله مباشرة من الشركة الأم، حط ملف قدامه وقال بدون مقدمات:
بناءً على قرار مجلس إدارة المجموعة، تقرر تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للشركة، وإيقاف عدد من القطاعات والمشروعات وإعادة تقييم القوى العاملة.
القاعة كلها سكتت.
فتح الملف: الدفعة الأولى من الوظائف التي تقرر الاستغناء عنها تشمل… (وقف لحظة ثم قال): جميع أعضاء فريق مشروع “رؤية المستقبل”.
وش حسام شحب! ده مشروعه! مشروع المفروض إنه من أهم مشاريع الشركة!
قام من مكانه: مستحيل! حضرتك أكيد فيه خطأ! المشروع ده الإدارة بنفسها قالت إنه من أهم مصادر أرباح الشركة خلال السنين الجايين!
نائب الرئيس التنفيذي حتى ما بصلهوش، ورفع عينيه أخيرًا لمدير المشروع:

الأستاذ حسام الشافعي.
حسام اتجمد، حس إن الأرض بتتهز تحته: أنا؟!

نعم.

بس… ليه؟!
الراجل قفل الملف وبصله نظرة باردة: القرار صادر من أعلى مستوى في المجموعة.

مين أصدر القرار؟!

مكتب رئيس مجلس الإدارة شخصيًا.
حسام رجع خطوة، لأنه كان عارف كويس مين رئيس مجلس إدارة المجموعة… رجل الأعمال المعروف: منصور الدمنهوري.
لكن اللي حسام ماكانش يعرفه، إن منصور الدمنهوري عنده بنت واحدة، بنت اختفت تقريبًا من حياته الاجتماعية من 3 سنين بعد ما أصرت تتجوز راجل بسيط وتحاول تعيش معاه بعيد عن اسم عيلتها ونفوذها، وكان اسم البنت دي: يارا منصور الدمنهوري.

حسام فضل واقف في نص قاعة الاجتماعات كأنه فقد القدرة على الكلام.
اسم منصور الدمنهوري كان معروف لأي حد شغال في المجموعة، راجل أعمال كبير ومؤسس المجموعة اللي تحتها عشرات الشركات، ومن ضمنها الشركة اللي حسام شغال فيها.
لكن المعلومة اللي خلت الدمهرب من وشه فعلًا كانت الجملة الأخيرة: “يارا منصور الدمنهوري”.
حسام هز راسه بعنف: لا… مستحيل.
نائب رئيس الشركة بصله باستغراب: إيه اللي مستحيل؟

حضرتك بتقول إن… يارا بنت الأستاذ منصور؟

أيوه.

يارا… مراتي؟
الراجل رفع حاجبه: على حد علمي، أيوه. أو خليني أقول… كانت مراتك لحد امبارح.
حسام حس إن رجليه مش شايلينه، مسك طرف الترابيزة بإيده، وفجأة حاجات كتير جدًا بدأت تعدي في دماغه:
أول مرة قابل يارا من أربع سنين، كانت لابسة لبس بسيط جدًا، بتروح وتيجي بالمواصلات، بتاكل معه في مطاعم عادية، ولما سألها عن أهلها قالتله إن والدها رجل أعمال لكن علاقتهم متوترة لأنها رفضت تعيش بالطريقة اللي هو عايزها.
حسام وقتها ما اهتمش، وفي دماغه كلمة رجل أعمال ممكن تعني صاحب محل أو شركة صغيرة، ولا مرة تخيل إن أبوها هو منصور الدمنهوري.
الأغرب إن يارا عمرها ما استخدمت اسم عيلتها كامل، في الأوراق العادية كانت بتكتب “يارا منصور”، ولما اتجوزوا هي اللي أصرت إن الفرح يكون بسيط وإن مفيش داعي والدها يتحمل مصاريف حاجة.
حتى الشقة اللي عاشوا فيها… حسام افتكر فجأة اليوم اللي كان هيخسر فيه مقدم الشقة لأنه ناقصه مبلغ كبير، بعدها بيومين بالظبط الشركة أعلنت عن مكافأة استثنائية لفريقه، والمبلغ كان تقريبًا نفس المبلغ اللي ناقصه، ووقتها حسام قال “رزق”.. ودلوقتي بدأ يفهم!
افتكر أول ترقية أخدها، وكان لسه جديد نسبيًا وفجأة مديره اختاره وسط ناس أقدم منه.
افتكر المشروع الكبير اللي اتسندله رغم إنه ماكانش صاحب أكبر خبرة.
افتكر كل مرة كان يرجع البيت فرحان ويقول ليارا: “شايفة؟ أنا تعبت ووصلت لوحدي”، وهي كانت تبتسم وتول: “تستاهل”.

حسام رفع عينيه ببطء: أنا لازم أكلم الأستاذ منصور.

الأستاذ منصور مشغول.

طيب يارا! أنا لازم أكلم يارا!

دي مسألة شخصية تخصك.

موبايليها مقفول!
الرجل قفل الملف اللي قدامه: أستاذ حسام، إحنا هنا مش مكتب استعلامات. الموارد البشرية مستنياك عشان إجراءات إنهاء خدمتك.
حسام ضرب بإيده على الترابيزة: بس ده انتقام شخصي!
القاعة كلها سكتت، ونائب الرئيس بصله بثبات: خلي بالك من كلامك.

أنا اتطردت عشان مشكلة بيني وبين مراتي!

لأ. (فتح الرجل ملف تاني): حضرتك تم الاستغناء عنك بعد مراجعة أدائك والقرارات الإدارية الخاصة بالمشروع، والمجموعة قررت وقف تمويله وإعادة توزيع أصوله. ولو حضرتك شايف إن ليك حق قانوني، الإدارة القانونية موجودة.
حسام فتح بقه لكنه ماعرفش يقول حاجة.
الراجل كمل: وبالمناسبة… القرار مش إنك تتطرد لوحدك.
حسام اتنفس وافتكر للحظة إن فيه أمل، لكن الجملة اللي بعدها كانت أسوأ: المجموعة قررت بيع الشركة بالكامل.

إيه؟!

الشركة دي أصلًا كانت استثمار غير أساسي بالنسبة للمجموعة، وفي اجتماع مجلس الإدارة الصبح اتپقرر التخارج منها.

حسام حس إن حياته كلها بتتهد قدامه، مش بس وظيفته، حتى المكان اللي كان فاكر إنه هيبني فيه مستقبله… انتهى.
خرج من القاعة وهو مش شايف قدامه، أول حاجة عملها إنه اتصل بيارا: الرقم غير متاح. اتصل تاني نفس الرد، بعت واتساب الرسالة ما وصلتش، جرب الإيميل مفيش رد.
وقتها افتكر إن عنده رقم صاحبتها القديمة “دينا”، اتصل بيها:

ألو؟ دينا، يارا عندك؟
سكتت دينا ثانيتين: ليه؟

محتاج أكلمها.

بعد ما ضربتها وطردتها الساعة واحدة بالليل؟
حسام اتصدم: هي قالتلك؟!

لأ.

أمال عرفتي منين؟
دينا ضحكت بسخرية: لأنك لسه مش فاهم إنت متجوز مين يا حسام. وقفلِت في وشه.

في نفس الوقت، كنت قاعدة في جناح الفندق قدام أبويا “منصور الدمنهوري”، الرجل اللي ما شفتوش غير مرات معدودة خلال آخر 3 سنين.
شعره زاد فيه الشيب، ملامحه بقت أتقل، لكن نظرته ليا كانت زي ما هي.
فضل ساكت فترة طويلة وبعدين بص لخدي، أثر الضربة كان لسه موجود. قبض إيده: ضربك؟
قلت بهدوء: حصل.
قام من مكانه: أنا ه…

بابا. (وقف). أنا ما رجعتلكش عشان تنتقملي.

لف ناحيتي: أمال رجعتي ليه؟

عشان انتهيت.
قعدت قدامه: لما اتجوزت حسام، إنت قلتلي إنه مش مناسب، وطلع كلامي صح.

لأ.
هزيت راسي: ما تقولش كده. أنا اخترته بإرادتي، وأنا اللي قررت أعيش بعيد عن اسمك وفلوسك، وأنا اللي فضلت مكملة 3 سنين رغم كل الإشارات اللي كانت قدامي.
أبويا سكت، فقلت: وبالتالي أنا اللي هتحمل نتيجة اختياري.
بصلي باستغراب: وإنتِ فاكرة إني هسيب واحد مد إيده على بنتي؟!

أنا هجيب حقي بالقانون.

والشركة؟ قرار بيعها كان موجود من إمتى؟
أبويا ابتسم ابتسامة صغيرة (كنت أعرفه كويس): من 6 شهور.

ومشروع حسام؟

خسران.
رفعت حاجبي: قد إيه؟
مد لي ملف فتحته، الأرقام قدامي كانت صادمة؛ المشروع اللي حسام كان بيحكيلي كل يوم إنه مشروع المستقبل… كان بيخسر ملايين! لكن الإدارة السابقة كانت مخبية الخسائر ومستنية تمويل جديد من المجموعة.
قلت: يعني اللي حصل النهارده كان هيحصل سواء رجعت أو لأ؟

البيع كان هيحصل. (سكت لحظة ثم قال): لكن الموعد اتقدم.
بصيتله: بابا.
رفع إيده باستسلام: أسبوع واحد بس!
رغم كل اللي حصل، ضحكت لأول مرة، وهو كمان ابتسم، وبعدين ملامحه رجعت جدية:
يارا، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.

إيه؟
طلع ملف تاني وحطه قدامي. حسام ماكانش مجرد مدير مشروع فاشل.
فتحت الملف، وأول صفحة خلت الابتسامة تختفي من وشي: تحويلات مالية، فواتير لشركات خارجية، عقود توريد بأسعار أعلى من سعر السوق، وفي آخر كل مجموعة أوراق… كان فيه اسم بتكرر: شركة الشروق للاستشارات.
قلت: دي بتاعة مين؟
أبويا رد: رسميًا، صاحبها واحد اسمه ممدوح الشافعي.
رفعت عيني: الشافعي؟! عم حسام!
سكت. وأبويا كمل: خلال سنة ونص، مشروع حسام حوّل للشركة دي مبالغ ضخمة مقابل خدمات استشارية ملهاش قيمة حقيقية.
حسيت ببرودة في أطرافي: يعني حسام…

لسه التحقيق ما خلصش، ومش هتهمه بحاجة قبل الأدلة النهائية. (قفل الملف): بس فيه شبهات كفاية إن الإدارة القانونية تراجع كل حاجة.

ساعتها فهمت ليه حسام كان متوتر الفترة الأخيرة، ليه كان رجع متأخر، ليه كل ما أسأله عن شغله يتعصب، وليه من شهرين تحديدًا بدأ يطلب مني أبيع الدهب اللي عندي بحجة إنه عايز يدخل استثمار مضمون وأنا رفضت، ومن بعدها معاملة حماتي ليا بقت أسوأ!
فجأة… موبايل أبويا رن، بص للشاشة.

مين؟
مد الموبايل ناحيتي، الاسم اللي ظاهر كان: أمن الفندق.

رد.
بعد أقل من دقيقة قفل وبصلي: جوزك تحت.
قلبي دق مرة واحدة بقوة: عرف مكاني إزاي؟!

واضح إنه مش غبي تمامًا.
قمت: هقابله.
أبويا اعترض فورًا: لأ.

لازم.

يارا…

في مكان عام. والأمن موجود.
سكت وبعدين وافقت.

نزلت اللوبي، حسام كان واقف عند المدخل، أول ما شافني جري ناحيتي لكن اتنين من الأمن وقفوا قدامه:

يارا!
وقفت بعيد عنه، كان شكله مختلف تمامًا عن الصبح؛ الكرافتة مفكوكة، شعره منكوش، ووشه شاحب.

عايز إيه يا حسام؟
بص حواليه: الفندق، الأمن، الناس اللي أول ما شافوني وقفوا باحترام، وبعدين بصلي: إنتِ فعلًا بنت منصور الدمنهوري؟!
ما جاوبتش. ضحك بمرارة: 3 سنين يا يارا؟
سكتّ.

3 سنين وإنتِ مخبية عني حاجة زي دي؟!
قلت: وأنا سألتك قبل الجواز فارق معاك أهلي عندهم كام؟
افتكر.. واضح جدًا إنه افتكر، لأنه هو اللي قال وقتها: “أنا بحبك إنتِ، مش أهلك”.
قلت: وإنت قلتلي إنك مش فارق معاك.

بس مش للدرجة دي! يعني لو أبويا كان صاحب محل صغير كان عادي؟!
سكت.

لكن لأنه منصور الدمنهوري، بقى من حقك تعرف؟!
قرب خطوة، الأمن اتحرك، رفعت إيدي فوقفوا.
حسام قال: أنا غلطت.

ما رديتش.

موضوع امبارح… أنا كنت شارب وماما ضغطت عليا.
ابتسمت: والقلم؟!

غلطة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى