منوعات

ليلة فرحي حكايات انجى الخطيب

شفت في المراية عربية كريم وهي بتفرمل بالعافية، وصوت صريخ الكاوتش مالي الشارع وهو بيلف حوالين نفسه عشان يبعد عن الجيب.

دقيقة واحدة وكنت على الطريق الدائري، طايرة بالعربية ورايحة على العنوان اللي أستاذة منال بعتتهولي.

وصلت المقر، نزلت من العربية بفستان الفرح المبهدل، الشيكارة البلاستيك بتاعة جردل الغسيل كانت لسه سايبة أثر مية على أطراف الفستان من تحت. مسكت اللابتوب والشنطة، ودخلت.

أستاذة منال كانت منتظراني، أول ما شافتني بالطريقة دي، جابت شال أسود كبير وحطته على كتفي، ومسكت إيدي وقالت:

  • “شدي حيلك يا نادين.. اللي الجبن ده عمله هيتدفع تمنه بالقانون، ومن الليلة دي مفيش خوف.”

فتحت اللابتوب قدامها، وحطيت الفلاشة. الملفات بدأت تفتح واحد ورا التاني. لكن وأنا بقلب في باقي الفولدر، ظهر ملف مضغوط مخفي جوه المجلد بتاعه، ومكتوب عليه تاريخ بكرة: “بعد الفرح – خطة التنفيذ”.

فتحت الملف، وعينيا اتوسعت من الصدمة. ماكانش بس عقد الأرض المزور.. كان فيه صورة لتوكيل عام بشخصي مسبق باسم حمايا “عبد الحميد”، ومستندات تحويلات مالية باسم حسابي البنكي القديم لشركات وهمية بره مصر. هما ماكانوش عايزين الأرض بس.. هما كانوا بيستخدموا هويتي عشان يلبسوني قضايا غسيل أموال واختلاس بملايين، ويساوموني بعد كده: يا إما أتنازل عن كل حيلتي، يا إما أترمي في السجن باقي عمري!

أستاذة منال بصت للشاشة ووجهها اتغير تماماً، رفعت سماعة التليفون واتكلمت بنبرة حازمة:

  • “ألو.. يا فندم، البلاغ مش هيستنى للصبح. إحنا قدام جريمة تزوير واستيلاء وتشكيل عصابي متلبس.. المحاضرزم تتفتح حالاً.”

بعد ساعتين، وتحديداً الساعة أربعة الصبح.. كنت قاعدة في المكتب، شربت بق مية، والمكياج كان خلاص اتمسح كله من وشي. موبايل منال رن، ردت وفتحت السبيكر.

صوت الضابط جه من الناحية التانية:

  • “يا فندم، قوة من المباحث تحركت على جناح الفندق بناءً على إذن النيابة وسجلات المكالمات والتفريغ. المتهم الأول كريم عبد الحميد والمتهمة الثانية سعاد محمود مقبوض عليهم حالاً وفي طريقهم للقسم.. وكان معاهم لاب توب تاني عليه أصل التوكيلات المزورة.”

غمضت عينيا وأنا باخد نفس عميق، لأول مرة بحس إن صدري بيتفس بعد كتمة سنين. رفعت الشال الأسود على كتفي، وقفت وبصيت لمنال وقلت لها:

  • “يالله بينا يا أستاذة منال.. حان الوقت إن بنت رأفت المصري تنزل بنفسها تحضر التحقيق.”
  • وصلنا قسم الشرطة في المطرية قبيل الفجر بشوية. الشارع كان هادي، بس جوه النيابة والقسم الحركة ما بتهداش. نزلت من عربية أستاذة منال، وأنا لسه لافة الشال الأسود حوليا، بس المرة دي خطوتي كانت ثابتة، وراسي مرفوعة.أول ما دخلنا الممر المؤدي لمكتب النيابة، شفتهم.

    كريم وحماتي سعاد كانوا قاعدين على دكة خشب في الممر ومحروسين بآمين شرطة. كريم كان ببدلته المبهدلة، شعره منكوش، ووشه أصفر زي الليمونة. سعاد كانت قاعدة بتترعش، العصبية والغل باينين في عينيها، ولابسة عباية بيت أخدوها بيها من الفندق بسرعة لما القوة دخلت عليهم.

    أول ما سعاد شافتني ماشية وبجنبي أستاذة منال وفريق المحامين، قامت وقفت فجأة وصصرخت بصوت هيستيري:

    • “أهي الحية أهي! يا بيه دي نصابة ومجرمة! هربت ليلة فرحها وسرقت ورق ابني وفلوسه! افتشوها!”

    أستاذة منال ما إدتهاش عقاد نافع، وبصت لأمين الشرطة ببرود:

    • “يا حارس، لو سمحت انصح المتهمة تلتزم الهدوء عشان ما نضيفش لملفها تهمة سب وقذف وتعدي داخل منشأة شرطية.”

    كريم رفع عينه في عينيا. ماكانش في عينيه أي أثر للشر اللي كان في الجراج، كان نظرة رجاء وخوف.. نفس الوش المزيّف اللي خدعني بيه سنتين. قرب خطوة وناداني بصوت مكسور:

    • “نادين.. عشان خاطر ربنا، اسمعيني.. أمي هي اللي تورطت في كل ده، أنا ماليش دعوة، هي اللي ضغطت عليا!”

    سعاد بصت له بصدمة وصصرخت فيه:

    • “بتقول إيه يا روح أمك؟! بقى أنا اللي ضغطت عليك؟ ده أنت اللي جايب لي صور توكيلها من ست شهور وتقولي الأرض دي هي اللي هتغنينا!”

    بدأوا يكسحوا في بعض ويرموا التهم على بعض قدام العساكر والمحامين، المنظر كان رخيص بشع.. نفس الناس اللي كانوا من أربع ساعات شايفين نفسهم أسياد البيت وبيأمروني أغسل رج رجلين أهله، نازلين طحن في بعض عشان كل واحد ينجو بجلده.

    دخلنا للوكيل النيابة. مكتب ضيق، وراجل ملامحه حازمة وشديدة. أستاذة منال قدمت “الفلاشة” اللي عليها كل التسجيلات الصوتية، العقود المزورة، الخطة المكتوبة، وصور التحويلات، بالإضافة لتقرير طبي مبدئي بإثبات التعدي والضرب اللي في وشي.

    وكيل النيابة شغل صوت التسجيلات في المكتب. صوت كريم وهو بيخطط.. صوت أمه وهي بتقول “جردل الهدوم ده الكارت اللي هنكسر بيه عينها”.. صوت التزوير والاتفاق على بيع الأرض.

    وكيل النيابة رفع عينه وبص لكريم وأمه، النبرة بتاعته كانت زي السيف:

    • “أستاذ كريم عبد الحميد.. الحجة سعاد محمود.. التسجيلات دي بصوتكم؟”

    كريم اتلعثم وشهق:

    • “يا فندم.. دي.. دي كانت فبركة.. هي تركبت بالذكاء الاصطناعي!” أستاذة منال ابتسمت وقالت بثقة:
    • “سيادة وكيل النيابة، بنطلب إحالة الحواسيب والهواتف المسبوق ضبطها بحوزة المتهمين للأدلة الجنائية لبيان التطابق الحسابي والهندسي للصوت والملفات، ومضاهاة التوقيعات على عقد البيع المزيف.”

    الساعة ضربت سبعة الصبح، والشمس بدأت تطلع وتخش من شباك المكتب.

    وكيل النيابة هبد القلم على المكتب، وكتب القرار:

    • “حبس المتهم الأول كريم عبد الحميد، والمتهمة الثانية سعاد محمود، أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد، وإحالة الحواسيب للطب الشرعي والأدلة الجنائية، واستدعاء باقي أفراد العائلة المذكورين في التسجيلات.”

    سعاد صرخت وقعدت على الأرض وهي بتندب، وكريم وشه اتخطف ومسك في إيد الضابط وهو بيترجاه:

    • “لا يا بيه! حبس إيه؟! أنا مهندس وسمعتي هتضيع! نادين تنازلي وحياة أبوق!”

    بصيت له في عينيه بمنتهى الهدوء، وقربت منه خطوة واحدة، وقلت له بصوت واطي سمعوه هما الاثنين بس:

    • “أبوي الله يرحمه علمني إن اللي يمد إيده على واحدة أو يفكر يسرقها.. ما يلزموش غير السجن. الجردل اللي رمتوه تحت رجلي.. هو اللي رمواكم هنا.”

    لفيت ظهري وخرجت من القسم. الهوا بتاع الصبح كان ساقع ونظيف. قلعت الشال، وبصيت للسما.

    المعركة ما خلصتش، ولسه فيه قضايا وتصفية حسابات قديمة مع عيلة أبايا اللي كريم كان عايز يساومني بيهم.. بس في اللحظة دي، وأنا واقفة بآثار فستان الفرح المبهدل، عرفت حاجة واحدة بس:

    نادين رأفت المصري خلاص ما بقتش تخاف من حد.

  • عديت من باب القسم وشمس الصبح كانت ضربت في الشارع. مسكت تليفوني اللي ما وقفش رن من سائر أرقام عيلة كريم وأقربائه. فتحت المكالمات وحظرتهم واحد ورا التاني ببرود تام.أستاذة منال قربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت:
    • “كده اللعبة الأولى خلصت يا نادين.. كريم وأمه بقوا في حوزة النيابة والتزوير لبسهم رسمي. بس دلوقتي فيه كارت تاني لازم نلعب بيه صح.”

    بصيت لها بسؤال:

    • “عيلة أبايا؟”

    منال هزت رأسها بثقة:

    • “بالظبط. كريم كان ناوي يساومك بيهم، بس بما إن سرك اتعرف خلاص، يبقى المبادرةزم تكون من عندك. أعمامك من سنين يدوروا على أوراق أباك عشان يوضعوا إيدهم على الشركات والأرض اللي في التجمع، وشايفين إنك اختفيتي بالورق. لو عرفوا إنك ظهرتي وفضحي في المحاكم، هيحاولوا يدخلوا على الخط.”

    طلعت زفير طويل، وركبت عربيتي جنبها وقلت:

    • “أنا ما هربتش منهم زمان عشان أضعف دلوقتي. أنا استخبيت لحد ما كبرت وفهمت القانون.. ودلوقتي نادين رأفت المصري هي اللي هتروح لعمي فاروق بنفسها.”

    بعد ساعتين.. في مكتب فخم بوسط البلد، كان عمي فاروق المصري قاعد ورا مكتبه الأبنوس، شغال يقلب في أوراق قدامه، لما السكرتيرة دخلت عليه وهي متوترة:

    • “فاروق بيه.. فيه واحدة بره مصرة تقابلك، وبتقول لحضرتك قول له بنت أخوك رأفت.”

    عمي فاروق رفع رأسه بفزع، القلم وقع من إيده.

    فتحت الباب ودخلت. ما كنتش لابس الفستان خلاص.. غيرت لبسي لبنطلون أسود وبليزر كحلي حاد، وبصيت له بثبات.

    وقف مكانه يتأمل وشي، النبرة بتاعته كانت مشدودة بين الذهول والارتباك:

    • “نادين؟! إنتِ.. إنتِ عايشة؟ وراجعة بعد السنين دي كلها؟”

    قعدت على الكرسي قدامه بثقة وحطيت رجلاً على رجل:

    • “عايشة وموجودة يا عمي.. وراجعة مش عشان أطلب منك حمايتي، أنا راجعة عشان أقفلك اللعب اللي كان كريم عبد الحميد ناوي يلعبه معاك ومعايا.”

    فاروق قطم حواجبه:

    • “كريم مين؟”

    رميت قدامه على المكتب ملف كامل فيه صور العقود المزورة وتفريغ تسجيلات كريم وأمه لما كانوا بيتكلموا عن اتصالاتهم بعمي عشان يبيعوا له الأرض بسعر تراب بعد ما يكسروني.

    عمي مسك الورق، وعينيه بدأت تتسع من الصدمة والغل.. اكتشف إن الواد اللي كان بيجيب له أخبار عني، كان بيلعب بيه وبيحاول يسرق الأرض لحسابه الشخصي وياخد الملايين ويخلع بره مصر.

    فاروق هبد الورق على المكتب وزعق:

    • “ابن الكلب! كان بيشتغلني؟ كان بيجيلي ويقولي إنه بيدور عليكِ لخاطري عشان يلم الشمل، وهو مرتب وياكِ جوازة وعايز يسرق أرض أباكِ؟!”

    قلت له بمنتهى الهدوء:

    • “هو حالياً بات ليلته في النيابة بتهمة التزوير واستعمال محرر مزور والاعتداء.. والنيابة هتستدعي كل اسم اتذكر في التسجيلات. وأنا جيت هنا عشان أقولك كلمتين يا عمي فاروق.. الأرض دي أرض رأفت المصري، وحقي فيها بالقانون وبسندات ملكية مسجلة ومحفوظة. لو فكرت تخش مع كريم في أي محاولة مساومة أو إنك تضغط عليا بالقديم.. الملفات دي كلها بالأسماء والتسجيلات هتكون قدام القضاء الإداري والتجاري من بكرة.”

    عمي فاروق قعد على كرسيه، بصلي بنظرة مختلفة تماماً عن النظرة اللي كان بيبصلي بيها وأنا طفلة غلبانة. شاف في عينيا نبرة أبايا ورأسه الناشفة.

    بلع ريقه وقال:

    • “إنتِ كبرتي وبقيتي تعرفي تتكلمي يا نادين.. بس كريم وعيلته مش هيسيبوكي، العيلة دي غادرة.”

    قمت وقفت، وعدلت البليزر بتاعي وابتسمت ابتسامة هادية:

    • “اللي حاول يكسرني بجردل غسيل في أول ليلة، لبس أكلشات السجن قبل ما شمس اليوم الأول تطلع.. ما تقلقش عليا يا عمي، أنا بعرف أربي اللي ينسى نفسه كويس.”

    سبيته ومشيت، وخرجت للشارع.

    التليفون رن، كانت أستاذة منال:

    • “نادين.. النيابة رفضت الاستئناف، وكريم وأمه اترحلوا على التخشيبة لانتهاء تحريات المباحث والجنايات. وعمه جالي المكتب بيترجى وبيعرض تنازل كامل عن كل حاجة ومؤخر الصداق والشبكة، ومستعدين يدفعوا التعويض اللي تطلبيه بس تنازلي عن قضية التزوير.”

    وقفت في وسط الشارع، بصيت للسما والشمس مالية المكان، وقلت بصوت صارم ومش تردد:

    • “قولي له نادين بتقولك: القانون ما فيهوش تنازل.. والجردل اللي اترمى تحت رجلي، مش هيرفعه عن رقابهم أي فلوس في الدنيا. كملي في القضية لأخرها.”
    • بعد أسبوعين من اليوم ده، كانت الحكاية كبرت ورنت في كل مكان.كريم وأمه تحولوا للجنايات بتهم التزوير في أوراق رسمية، والابتزاز، والشروع في الاستيلاء على ممتلكات غيرهم. وعمه اللي حاول يتدخل قبل كده لم أوراقه واختفى بعد ما عرف إن اسم عيلتهم بقى على كل لسان في المحاكم.

      كنت واقفة في صالة المزاد العلني في محكمة التجمع الخامس، لابسة طقم رسمي أنيق، وبجانبي أستاذة منال وفريق Legal قوي.

      جلسة اليوم كانت لبيع بعض أصول شركة كريم وممتلكاته اللي المحكمة تحفظت عليها للوفاء بالديون والشرط الجزائي والتعويضات اللي اترفضت أتنازل عنها.

      وفجأة، الباب اتفتح، ودخلت المحامية بتاعة كريم وهي شايلة شنطة كبيرة. قربت مني بملامح حزينة ومتوترة وقالت:

      • “أستاذة نادين.. كريم بيه بيترجاكي للمرة الأخيرة قبل الجلسة. هو ومامته حالياً في التخشيبة وحالتهم الصحية متدهورة جدًا.. أمه جالها جلطة خفيفة، وهو مستعد يوقع على أي شيكات وتنازلات، بس بلاش سجنه يوصل لعشر سنين.”

      بصيت لها بمنتهى الثبات، ومن غير ما اتهز:

      • “هو لما كان بيزور توقيعي ويرمي فوقي الهدوم المبلولة وكان فاكر إني هكسر واسيّب حقي، فكّر في حالتي؟ القانون أخد مجراه، واللي يعمل العملة يتحمل تمنها يا أستاذة.”

      المزاد بدأ، ورسيت كل الأصول لصالح رد الحقوق كاملة لي وللأطراف المتضررة من تزويره.

      خرجت من المحكمة وأنا حاسة بوزن تقيل قوي انزاح عن كتفي.

      ركبت عربيتي ومشيت على أرض التجمع.. الأرض اللي أبايا الله يرحمه سابها لي، واللّي حاولوا يسرقوها بتمثيلية جواز مزيفة. المهندسين والعمال كانوا واقفين هناك، وبيبدأوا يحطوا الأساسات لأول مشروع عقاري كبير باسم “مؤسسة رأفت المصري”.

      الموبايل رن، كان رقم غريب. فتحت الخط:

      • “ألو؟”

      جاني صوت عمي فاروق، بس المرة دي ما كانش فيه لا استعلاء ولا تحكم.. كان صوت راجل عرف إن البنت اللي حاول يهمشها زمان بقت أكبر منه ومن سطوته:

      • “نادين.. أنا شفت الإعلانات بتاعة بداية المشروع في التجمع. مبروك يا بنتي.. أباكي لو كان عايش كان هيبص عليكِ ويفتخر.”

      ابتسمت ابتسامة هادية وقلت له:

      • “الله يرحمه يا عمي.. هو علمني إن الحق ما بيموتش، وإن الست اللي تعرف قيمة نفسها، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسرها.”

      قفلت السكة، نزلت من العربية، ووقفت في نص الأرض.. الهوا كان نقي، ورائحة التراب والمباني الجديدة مالية المكان.

      بصيت للسما وأنا ببتسم.. الحكاية بدأت بجردل غسيل وإهانة في ليلة فرح، بس انتهت وهي بتكتب بداية حقيقية ولقوة نادين رأفت المصري.

    • تمت
    • حكايات انجى الخطيب
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى