روايات وقصص

روحت اخطب لابني زهرة الربيع 2

بابا بص لي.
ـ أختك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
ـ إنت بتهزر؟
ـ لأ.
ـ أنا معنديش أخت.
ـ كان عندك.
سكت.
ـ يعني إيه كان عندي؟
بابا نزل عينه.
ـ اتولدت قبلك بسنة.
عمي محمود قرب منه.
ـ سالم، إنت بتقول إيه؟
ـ اللي حصل.
ـ وراحت فين؟
بابا ما ردش.
أنا مسكت الصورة بإيدي.
ـ راحت فين؟
ـ ماتت.
اتنفست بصعوبة.
ـ ماتت؟
ـ وهي صغيرة.
ـ وإنت طول عمرك مخبي عني؟
ـ كنتِ صغيرة.
ـ أنا مش بسأل ليه مخبي، أنا بسأل ليه محدش قال لي أصلًا إن كان عندي أخت!
ـ لأن الموضوع كان مؤلم.
ـ وأنا كنت أعيش من غير ما أعرف؟
بابا قال صوت مكسور:
ـ كنت خايف عليكي.
ـ من إيه؟
ـ من الحقيقة.
ـ الحقيقة مش بتأذيني. الكذب هو اللي أذاني.
بابا سكت.
عمي محمود كان باصص له بصدمة.
قال:
ـ طب والراجل اللي بعت لعلياء؟
بابا رد:
ـ ابنه.
ـ يعني إيه؟
ـ الراجل اللي في الصورة، كان أبوه.
أنا بصيت للصورة.
ـ هو يعرفني؟
ـ يعرف إنك بنتي.
ـ طب ليه بعت لي؟
ـ عشان فاكر إن ليه حق في حاجة.
ـ إيه؟
بابا سكت.
ـ يا بابا، إيه؟
قال:
ـ الأرض.
عمي محمود ضرب كف بكف.
ـ لسه موضوع الأرض؟
ـ الموضوع ما انتهيش.
أنا قلت:
ـ وإيه علاقة أختي؟
بابا بص لي.
ـ لأن قبل ما تموت، كان فيه ورق اتكتب.
ـ ورق إيه؟
ـ تنازل.
ـ عن الأرض؟
ـ جزء منها.
ـ لصالح مين؟
سكت.
ـ لصالحك.
أنا حسيت إني مش فاهمة حاجة.
ـ أنا؟
ـ أيوه.
ـ بس أنا كنت طفلة.
ـ عشان كده الورق فضل محفوظ.
ـ طب ليه الراجل ده بيقول إنه عايز يقول لي الحقيقة؟
بابا ما ردش.
ـ لأنه عايز الورق؟
ـ يمكن.
ـ ويمكن إيه؟
ـ يمكن عايز يعرف إذا كان الورق لسه موجود.
عمي محمود قال:
ـ يعني إحنا بنتكلم عن خلاف عائلي قديم؟
ـ أيوه.
ـ طيب ليه كل السنين دي ما حدش فتح الموضوع؟
بابا قال:
ـ لأن بعد وفاة بنتي، أبو الراجل ده ساب البلد.
ـ وسافر؟
ـ أيوه.
ـ وابنه؟
ـ كان صغير.
ـ ولما كبر؟
ـ رجع.
أنا بصيت للصورة.
ـ وحسام؟
بابا سكت.
أنا انتبهت.
ـ مال حسام؟
ـ مفيش.
ـ لأ.
بصيت له.
ـ إنت قلت إن حسام كان مجرد شخص اتقدم لي.
ـ أيوه.
ـ بس واضح إنك كنت تعرف عنه أكتر من كده.
بابا ما ردش.
عمي محمود قال:
ـ سالم، إنت كده بتفتح حكاية جديدة.
بابا قال:
ـ حسام ملوش علاقة بالأرض.
ـ أمال ليه لما جاب سيرة الموضوع اتوترت؟
ـ عشان…
وسكت.
قلت:
ـ عشان إيه؟
ـ عشان حسام كان عارف إن فيه مشكلة قديمة بين العيلتين.
ـ وعرف منين؟
ـ أبوه كان شغال مع أبو الراجل ده.
أنا قعدت أفكر.
كل الأسماء بدأت تتشابك.
كارم.
حسام.
الراجل اللي بعت الرسالة.
أبويا.
الأرض.
أختي اللي عمري ما عرفت بوجودها.
قلت:
ـ طب مين الراجل اللي بعت لي؟
بابا أخد نفس.
ـ اسمه ياسين.
سكت.
الاسم وقع في ودني كأنه مألوف.
ـ ياسين؟
ـ أيوه.
ـ أنا شفته قبل كده؟
ـ ممكن.
ـ فين؟
ـ مش عارف.
عمي محمود قال:
ـ استنى.
وبص لي.
ـ إنتِ مش قلتي إنك قابلتي واحد كان بيسأل عنك قبل الخطوبة؟
أنا افتكرت.
من حوالي شهرين، وأنا خارجة من الشغل، كان فيه راجل واقف بعيد.
قرب وقال:
“إنتِ علياء سالم؟”
وقتها افتكرته حد من معارف بابا.
قلت له أيوه.
سألني:
“باباكي لسه ساكن في نفس المكان؟”
استغربت وقلت:
“أيوه.”
قال:
“خلي بالك من نفسك.”
ومشي.
أنا وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي، افتكرت ملامحه.
قلت:
ـ هو ده ياسين.
بابا اتصدم.
ـ إنتِ شوفتيه؟
ـ أيوه.
ـ وإنتِ ما قلتيليش؟
ـ مكنتش أعرف إنه مهم.
بابا قام بسرعة.
ـ إمتى؟
ـ قبل الخطوبة بشهرين تقريبًا.
ـ قال لك إيه؟
ـ سألني عنك.
ـ وبس؟
ـ وقال لي خلي بالك من نفسك.
بابا فضل ساكت.
عمي محمود قال:
ـ سالم، إنت وشك اتغير ليه؟
بابا قال:
ـ لأنه ما كانش المفروض يقرب منها.
ـ ليه؟
ـ عشان وعدني إنه مش هيتدخل في حياتها.
أنا بصيت له.
ـ وعدك؟
ـ أيوه.
ـ وإنت كنت تعرف إنه رجع؟
ـ عرفت بعدين.
ـ ومع ذلك سكت؟
ـ كنت بحاول أحميكي.
ـ من جديد؟
سكت.
أنا وقفت.
ـ أنا مش هقدر أعيش كده.
بابا قال:
ـ تعيشي إزاي؟
ـ كل ما أسأل عن حاجة تقول لي “بحميكي”.
ـ عشان إنتِ بنتي.
ـ وأنا دلوقتي محتاجة أعرف.
ـ هتعرفي.
ـ إمتى؟
ـ لما أقابله.
ـ هتقابله؟
ـ أيوه.
ـ إمتى؟
ـ بكرة.
قلت:
ـ وأنا جاية معاك.
ـ لأ.
ـ أنا جاية.
ـ الموضوع مش مناسب.
ـ الموضوع يخصني.
بابا بص لي طويلًا.
ـ إنتِ مش عارفة إنتِ داخلة على إيه.
ـ ولا إنت عارف.
سكت.
عمي محمود قال:
ـ سالم، خليها تيجي.
بابا بص له.
ـ إنت كمان؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ لأن كفاية أسرار.
بابا قعد.
ـ خلاص.
بص لي.
ـ بس تسمعي وبس.
ـ موافقة.
في اليوم التالي، اتفقنا نقابله في مكان عام.
مطعم هادي.
مش عشان فيه حاجة خطيرة.
لكن لأن بابا كان عايز الكلام يبقى قدامنا كلنا.
وصلنا قبل الموعد.
قعدنا.
بعد عشر دقائق، دخل رجل في أواخر الثلاثينات.
بص حوالين المكان.
ولما شافنا، وقف لحظة.
أنا عرفته فورًا.
كان هو نفس الشخص اللي قابلته قبل الخطوبة.
مشى ناحية الترابيزة.
بص لي مباشرة.
وقال:
ـ إنتِ علياء؟
ـ أيوه.
سكت ثواني.
وبعدين قال:
ـ كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
بابا قال:
ـ اقعد يا ياسين.
قعد.
أنا قلت:
ـ إنت ليه بعت لي؟
بص لي.
ـ لأن أبوكي خبّى عنك حاجة سنين.
بابا قال:
ـ إنت مش من حقك تدخل في حياتها.
ياسين رد بهدوء:
ـ أنا مش داخل في حياتها.
وبعدين حط ظرف على الترابيزة.
ـ أنا جاي أديها ده.
أنا بصيت للظرف.
ـ إيه ده؟
ـ جواب من أمي.
بابا اتوتر.
ـ قلت لك مفيش داعي.
ياسين قال:
ـ المرة دي مش هسمع كلامك.
أنا مسكت الظرف.
ـ مكتوب فيه إيه؟
ـ مش عارف.
ـ إنت ما قريتهوش؟
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ لأنها قالت لي ما أفتحهش.
بصيت لأبويا.
ـ هي أمه؟
ياسين هز رأسه.
ـ أمي كانت تعرف أختك.
أنا تجمدت.
ـ تعرف أختي؟
ـ أيوه.
ـ كانت تعرفها إزاي؟
ياسين قال:
ـ لأن أمي كانت موجودة يوم حصلت الحكاية.
بابا قام فجأة.
ـ كفاية.
أنا بصيت له.
ـ لأ.
ياسين قال:
ـ خليها تعرف.
بابا وقف.
أنا فتحت الظرف.
طلعت ورقة واحدة.
بدأت أقرأ.
أول سطر خلاني أوقف.
كان مكتوب:
“يا علياء، لو وصل لك الجواب ده، يبقى أبوكي أخيرًا اضطر يقول لك إن أختك ما ماتتش بالطريقة اللي قالها لك…”
إيدي بدأت تترعش.
رفعت عيني لأبويا.
ـ يعني إيه؟
بابا ما ردش.
بصيت لياسين.
هو نفسه كان باصص للورقة بذهول.
قلت:
ـ إنت كنت تعرف؟
هز رأسه بسرعة.
ـ لأ.
رجعت أقرأ.
لكن قبل ما أكمل، بابا مد إيده وخطف الورقة مني.
صرخت:
ـ بابا!
قال بصوت متوتر:
ـ مش دلوقتي.
ـ لأ، دلوقتي!
ـ علياء، اسمعيني.
ـ أختي عايشة؟
سكت.
ـ بابا!
عينيه امتلأت بالدموع.
وقال بصوت منخفض:
ـ أنا مش عارف.
ـ مش عارف؟
ـ آخر مرة شفتها…
وسكت.
ـ كانت عايشة.
المكان كله سكت.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
ـ آخر مرة شفتها إمتى؟
بابا بص للأرض.
ـ من أكتر من عشرين سنة.
ـ وكانت فين؟
ما ردش.
ـ كانت فين يا بابا؟
رفع عينه لي.
وقال جملة واحدة قلبت كل حاجة:
ـ في نفس البيت اللي عاشت فيه واحدة من العيلتين سنين… والبيت ده أنا عمري ما قلت لك إنه كان موجود أصلًا.ـ البيت ده موجود فين يا بابا؟
السؤال خرج مني وأنا مش قادرة أستوعب أي حاجة.
بابا فضل ساكت.
ياسين كان باصص له هو كمان، وعمي محمود واقف جنبي مش عارف يتدخل ولا يسأل.
رجعت قلت:
ـ أنا بسألك البيت ده فين؟
بابا أخد نفس طويل وقال:
ـ في بلدنا القديمة.
ـ البيت اللي كنا عايشين فيه زمان؟
ـ لأ.
ـ أمال إيه؟
ـ بيت جدتك.
سكت.
ـ بيت جدتي؟
ـ أيوه.
ـ بس إحنا بعنا البيت ده من سنين.
ـ بعناه.
ـ يعني أختي كانت هناك؟
ـ لفترة.
ـ وبعدها؟
بابا حط إيده على وشه.
ـ بعدها حصلت مشاكل كتير.
ـ مشاكل إيه؟
ـ أمك كانت تعبانة، وأنا كنت مسافر شغل، وجدتك كانت بتقول إن البيت مش مناسب للأطفال، وأختك كانت صغيرة جدًا.
ـ وبعدين؟
ـ حصل خلاف بيني وبين جدك.
ـ على إيه؟
ـ على إن أختك تفضل معاه فترة.
ـ وليه؟
ـ لأن ظروفنا وقتها كانت صعبة.
ـ وأنا؟
ـ كنتِ لسه مولودة.
ـ وأختي؟
ـ كانت أكبر منك بسنة.
بدأت الصورة تتجمع ببطء.
مش وفاة.
مش اختفاء.
مش قصة غريبة.
مجرد عيلة اتخانقت، وطفلة اتنقلت من بيت لبيت، وبعدها السنين جريت وكل واحد بدأ يحكي الحكاية بطريقة مختلفة.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
ـ لو أختي كانت عايشة، راحت فين؟
بابا بص لي.
ـ اتربت بعيد عننا.
ـ مع مين؟
ـ مع ناس من قرايبنا.
ـ مين؟
ـ خالتك.
أنا اتصدمت.
ـ خالتي؟
ـ أيوه.
ـ بس خالتي عايشة في إسكندرية!
ـ عشان كده.
ـ يعني إيه؟
ـ لأن بعد ما انتقلنا من البلد، هي أخدتها معاها.
ـ وإنت وافقت؟
ـ كنت فاكر إنها هترجع.
ـ وإنت سبت بنتك عند أختك؟
ـ كان المفروض كام شهر.
ـ وبقوا سنين؟
بابا هز رأسه.
ـ أيوه.
عمي محمود قال:
ـ طب ليه قلت لها إنها ماتت؟
بابا سكت.
وبعدين قال:
ـ أنا ما قلتش لها.
بصيت له.
ـ مين قال لي؟
ـ جدتي.
ـ يعني جدتي كانت عارفة؟
ـ أيوه.
ـ وماما؟
ـ كانت عارفة.
ـ وكل الناس كانت عارفة وأنا لأ؟
بابا دمعت عينه.
ـ لأنهم كانوا فاكرين إنك لما تكبري هتعرفي.
ـ وأنا كبرت من إمتى؟
ما ردش.
ـ أنا اتخرجت، واشتغلت، وكبرت، واتقدمت لي عرسان، واترفضوا، واتعملت لي خطوبة، وكل ده وأنا ما أعرفش إن عندي أخت!
ياسين قال بهدوء:
ـ أنا كنت فاكر إنها ماتت.
بصيت له.
ـ إنت؟
ـ أيوه.
ـ أمك قالت لك إيه؟
ـ قالت لي إن أختك ماتت وهي صغيرة.
ـ طب ليه الرسالة بتقول غير كده؟
ياسين بص لأبوه.
ـ عشان أمي كانت شاكة.
ـ في إيه؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى