روايات وقصص

العروسة حكايات انجى الخطيب

حسن صرخ بصوت هز جدران البيت، وشه احمر وشرايين رقبته برزت بشكل يرعب:
“مش ابني! الواد ده مش ابني يا أمي! الواد ده ابن المرحوم أخويا اللي في حادثة من ثلاث سنين!”
سارة حطت إيديها على ودانها وصرخت بانهيار:
“حرام عليك! حرام عليك يا حسن تفتري عليا في ليلة زي دي! إنت عارف الحقيقة كويس!”
حسن قرب منها بخطوة متوحشة، ومحمود اعترض طريقه بسرعة ومسكه من قميصه:
“اعقل يا حسن! إنت اتجننت؟! طارق الله يرحمه مالوش دعوة بسارة! سارة كانت خطيبتك إنت من الأول!”
“لا يا محمود!” حسن زق إيد أخوه بقوة وهو بينهت، وطلع من جيب بنطلونه ورقة متكرمشة وورق شعة طبية ومظروف أبيض رمى كل ده في وش سارة. الورق اتنطور على الأرض بين جزمة الفستان وأقدام العيلة.
“التحاليل دي أنا استلمتها الظهر… التحاليل دي بتقول إن أنا مبخلفش! وبتقول إن جينات يوسف متطابقة مع عينات طارق اللي كانت متشالة في المستشفى بعد الحادثة!”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على قلبها، ورجلها ما شالتهاش، فقعدت على الكرسي اللي كان واقع على الأرض وهي بتبص لسارة بذهول ودموعها نازلة.
محمود وطي على الأرض مسك الورق، عينيه كانت بتقرأ العناوين والختم الطبي، وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، وبص لسارة بصدمة:
“سارة… الكلام ده صح؟”
سارة كانت بتهز راسها بنفي قاطع، دموعها مسحت المكياج كله، وشعرها نازل على وشها وهي بتترعش وتشهق:
“والله كدب! والله مظلومة! اسمعوني… اسمعوني يا طنط فاطمة عشان خاطر ربنا اسمعيني!”
يوسف الصغير مشي ببطء، قرب من سارة ومسك طرف فستانها الكثيف، وبص لحسن بعينين واسعة وجمود يخوف:
“ماما ما عملتش حاجة غصب عنها… بابا طارق هو اللي قال لها ماتقولش لحسن عشان حسن مفيش في إيده حاجة يعملها.”
الأوضة اتخنق فيها الهواء. الحاجة فاطمة بصت للولد وهي بتترعش:
“إنت… إنت بتقول إيه يا يوسف؟ إنت عرفت الكلام ده منين يا ابني؟”
سارة قعدت على الركبتين قدام فاطمة، مسكت إيدها بتوسل وصوتها طالع بالعافية من وسط البكاء:
“حسن هو اللي طلّع الإشاعة دي على نفسه عشان يهرب من الحقيقة! طارق الله يرحمه قبل ما يموت بأسبوع… قبل الحادثة بيومين… جه البيت هنا وأنا كنت جاية أزورك وماكنتيش موجودة. طارق كان عارف إن حسن عنده مشكلة وطبية ومعقدة، وطارق هو اللي اتبرع بعينة في السر عشان حسن يتعالج بره ومحدش يفهم إحنا بنعمل إيه! حسن كان عارف وموافق! حسن هو اللي ترجاني أوافق عشان ما يتكسرش قدامكم وقدام الناس!”
حسن مسك دماغه بإيديه الاثنين وبدأ يصرخ بصوت جنوني:
“كدابة! كدابة! أنا ما وافقتش! أنا اتضغط عليا! إنتِ وطارق اتفقتوا عليا! كنتم بتبصوا لبعض في كل عزومة وتضحكوا وأنا أقف زي الهبل مش فاهم حاجة! كنت بحس إني مش راجل في بيتي!”
محمود قرب من حسن ومسكه من كتفه بحدة وهو بيهزه:
“إنت فاهم إنت بتقول إيه؟! طارق أخوك  وراجل شريف! إنت عشان عجزك ونقصك جاي في ليلة دخلتك تفتن على أخوك الميت وتطعن في شرف مراتك اللي سترت عليك وسكتت كل السنين دي؟!”
“سترت عليا؟!” حسن ضحك بمرارة ودموعه نزلت لأول مرة، “هي سترت عليا ولا كانت مستنية طارق يرجع لها؟ هي اتجوزتني عشان يفضل الواد في العيلة! هي ما حبتنيش ولا عمرها هتحبني!”
سارة وقفت على حيلها، مسحت دموعها بكف إيدها وهي بتبص لحسن بنظرة اتغيرت من الخوف للقرف والاشمئزاز. مسكت طرف الطرحة المقطوعة وخلعتها من شعرها ورمتها تحت رجليه.
“أنا فعلاً ما بقتش قادرة أكمل الجوازة دي… مش عشان السر اتكشف، عشان اكتشفت إن الراجل اللي وافقت أشيل سره وأحمي كبريائه قدام أهله، طلع مريض بالنقص والغل لدرجة إنه يوسخ سمعة أخوه الميت وسمعة أمه وسمعتي في ليلة فرحنا.”
سارة مسكت إيد يوسف بقوة، والولد تمسك بيها ونزلوا عينيهم للأرض. بصت للحاجة فاطمة اللي كانت بتعيط بحرقة ومش قادرة تتكلم:
“سامحيني يا طنط فاطمة… أنا صنت ابنك ورعيت سر عيلتكم لحد آخر لحظة، بس ابنك هو اللي اختار يهد البيت فوق دماغ الكل.”
سارة شدت ابنها من إيده ومشت ناحية الباب بخطوات سريعة وثابتة، وفستانها الأبيض المتبهدل بيسحب وراها على الأرض، وسابت الأوضة والبيت كله يغرق في صمت أتقل من الموت.

شاورتا لعربية تاكسي كانت معدية بالصدفة، السواق بص لها باستغراب شديد وهو بيشوف عروسة بفستانها المتبهدل ومعاها طفل ماشي في الشارع في وقت متأخر كده. أول ما التاكسي وقف، سارة فتحت الباب وركبت ورا وشدت يوسف في حضنها وقفت الباب بقوة.
السواق بص لها في المراية وجبينه متقطّع: “على فين يا مدام؟”
سارة بلعت ريقها بالعافية، صوتها كان مخنوق بس ثابت: “على وسط البلد يا أسطى… المقطم… أي مكان بعيد عن هنا.”
التاكسيتحرك، وسارة كانت بتبص من الشباك الوراني. شاف المعادي بتبعد ببطء، كشافات الشارع كانت بتعدي على وشها زي السكاطات، ويوسف حاطط راسه على حجرها ومغمض عينه كأنه ما صدق يخرج من الجو المكتوم ده.
في الوقت ده، جوه بيت المعادي، الصوت كان زي المأتم.
محمود سحب أمه من على الأرض وقعدها على الكنبة في الصالة، والناس اللي كانت معزومة بدأت تتسحب واحدة واحدة من الباب وهم بيبصوا لبعض بنظرات كلها همس وتكهنات. محدش فاهم حاجة، بس الكل عارف إن في مصيبة كبيرة حصلت.
محمود طلع السلم بضربات جزمة قوية، خبط على باب أوضة النوم بعنف: “افتح يا حسن! افتح بدل ما أكسر الباب فوق دماغك!”
مفيش رد.
محمود زق الباب برجله بقوة، الباب اتفتح وخبط في الحيطة.
حسن كان قاعد على طرف السرير، ماسك الورق في إيده وبيبص فيه بجمود غريب. الدموع كانت جفت على وشها، بس عينيه كانت فاضية تماماً، كأنه أخيرًا استوعب حجم المصيبة اللي عملها.
محمود قرب منه وسحب الورق من إيده بعنف: “إيه اللي إنت عملته ده؟ إنت متخيل إنت بوظت إيه؟ إنت مش بس خسرت سارة… إنت نهيت اسم العيلة دي! طارق أخوك اللي مات، جاي تتهمه في شرفه بعد ما مات بـ3 سنين؟”
حسن رفع عينه ببطء، وصوته كان طالع خفيف ومكسور زي الشبح: “أنا ماكنتش قادر أتحمل يا محمود… كل ما أصحى الصبح وأشوف يوسف بيلعب قدامي، وأشوف سارة بتبصلي بنظرة عطف… بحس إني ولا حاجة. بحس إن طارق لسه عايش وموجود بينهم، وأنا مجرد ظل… خيال مآتة شارينه عشان يستر عليهم.”
محمود مسك حسن من قميصه وهزه بقوة: “طالع من بؤك الكلام ده؟! طارق ضحى باسمه وساب عينته في السر عشان خاطر إنت ما تتكسرش قدام الناس! سارة سكتت وشالت الهم ده كله وعاشت معاك وت استحملت قرفك وشكك عشان تحافظ على بيتك! إنت اللي كنت مريض بنقصك… إنت اللي بعت الكل عشان ترضي جرح كبريائك المريض!”
حسن سكت، ونزل راسه بين إيديه وبدأ يعيط بصوت مكتوم وهستيري.
في التاكسي، التليفون في شباك سارة بدأ يرن. كانت الحاجة فاطمة.
سارة بصت للشاشة، الشاشة كانت بتنور باسم “أمي التانية”. مسحت دموعها بأصابعها، وبصت ليوسف اللي كان بدأ ينام، وبعدين سحبت الشاشة وقفلت التليفون خالص.
السواق وقف التاكسي قدام بيت قديم في المقطم، بيت أهل سارة اللي مقفول من يوم ما أبوها اتوفى.
سارة نزلت، شالت يوسف على دراعها رغم ثقل الفستان، وطلعت السلم الخشب اللي بيزيّق. فتحت الشقة المفتاح اللي كان في شنطتها الصغيرة.
الريحة كانت ريحة تراب وذكريات قديمة، بس بالنسبة لها، كانت أول مكان تحس فيه بالأمان من سنين.
حطت يوسف على السرير في الأوضة القديمة، وغطته بكوفرتة سميكة. الولد فتح عينه نص فتحة وبص لها: “ماما… هما مش هيجوا هنا صح؟”
سارة وطت وپست دماغه، وابتسمت له بهدوء: “محدش يقدر يلمسك ولا يلمسني تاني يا يوسف… نام يا حبيبي.”
سارة خرجت الصالة، وقفت قدام المراية الكبيرة. بصت لنفسها بكتير من الحسرة… الفستان الأبيض المتبهدل، المكياج السايح، والشعر المنكوش. مسكت سوستة الفستان من ورا، ونزلتها ببطء، وخلعت الفستان ورمته على الأرض في نص الصالة.
قعدت على الكنبة الخشب، ولفت  بملاية قديمة، وبصت للسقف وهي بتتنفس ببطء.
السر اتكشف، والعيلة اتدمرت، والليلة اللي كان المفروض تكون ليلة العمر بقت كابوس… بس لأول مرة من سنين، سارة حسّت إن طوق الخناق اللي كان على رقبتها اتفك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى