
الراجل قرب بخطوات بطيئة، وأول ما وصل قدامي، بص في وشي فترة طويلة، وبعدين قال:
إنتِ شبه أمك أوي يا مريم.
جسمي كله اتنفض، قلت:
إنت كنت تعرف أمي؟
هز راسه:
كنت أعرفها كويس جدًا.
بصيت لأبويا:
بابا، إنت ليه مخبي عني كل ده؟!
أبويا ما قدرش يبص في عيني.
جلال قال بهدوء:
لأن أبوكي كان فاكر إن إخفاء الحقيقة هيحميكي.
صرخت:
يحمني من إيه؟!
سكت لحظة، وبعدين قال:
من نفس الشخص اللي كان سبب في كل اللي حصل زمان.
أحمد قرب وقال:
عمي، كفاية لف ودوران. مريم لازم تعرف.
جلال أخد نفس عميق وقال:
من حوالي 27 سنة، والد أحمد كان شريك والدك في شركة كبيرة، والدتك كانت بتشتغل معاهم في الحسابات، وكانت أول واحدة تكتشف إن في أموال بتختفي من الشركة.
بصيت لأبويا:
وإنت كنت عارف؟
قال بصوت مكسور:
كنت عارف إن في تجاوزات، بس ما كنتش عارف مين المسؤول بالتحديد.
جلال كمل:
أمك جمعت المستندات، وكانت ناوية توضح الحقيقة بالكامل.
قلت:
وبعدين؟
جلال بص لأحمد:
في الليلة اللي كانت هتسلم فيها المستندات، حصل حادث بالطريق.
شهقت:
حادث أمي؟!
هز راسه:
آه.
كنت طول عمري فاكرة إن أمي ماتت في حادث عادي، لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قال جلال:
أنا كنت أول واحد وصل لمكان الحادث، أمك كانت لسه عايشة، وكانت ماسكة شنطة صغيرة.
قلت بسرعة:
شنطة؟
آه، وقالت لي جملة واحدة: “خلي بالك من بنتي”.
دموعي نزلت من غير ما أحس:
وبعدين؟
قال:
لقيتِك جوه العربية، وكنتِ طفلة صغيرة جدًا. طلعتك قبل ما الأمور تسوء، وخدتك للمستشفى.
بصيت له وأنا مش قادرة أتكلم:
يعني إنت أنقذت حياتي؟
ابتسم بحزن:
أيوه يا بنتي.
لكن كان لسه في حاجة ناقصة. قلت:
طب المستندات؟
جلال بص لأحمد، أحمد قال:
اختفت.
سألته:
اختفت إزاي؟
رد:
والدي ظل يدور عليها سنين، لأنه كان متأكد إن فيها دليل على الشخص اللي تسبب في أزمة الشركة. وبعدين بص لي وقال: “ولما توفى أبويا، لقيت في مكتبه ملاحظة واحدة بس مكتوب فيها اسمك”.
اتصدمت:
اسمي؟!
آه، وكان مكتوب جنب اسمك: “لو ظهرت الحقيقة يومًا، احمِ مريم”.
سكتنا كلنا، فجأة افتكرت كلام أمي في الرسالة، قلبت الورقة على ضهرها. كان فيه سطر صغير ما خدش بالي منه: “المستندات مش معايا، هي عند الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد”.
بصيت لأبويا، وبعدين لجلال، وبعدين لأحمد:
مين الشخص؟!
فجأة أبويا وقف وقال:
أنا عارف مين.
كلنا بصينا له، قال:
المستندات كانت معايا أنا.
اتصدمت:
إنت؟!
قال:
أمك سلمتهالي قبل الحادث بساعات، وأنا خبّيتها.
طب ليه؟!
بدأ يعيط:
لأن الشخص اللي كانت بتكشفه كان شخص خطر ومحدش توقع إنه يعمل كده.
أحمد قال بغضب:
ومين هو؟
أبويا بص له وقال:
والدتك.
القاعة كلها سكتت، أحمد رجع خطوة لورا:
أمي؟!
هز أبويا راسه:
أيوه، والدتك كانت عارفة باللي بيحصل، لكن سكتت لفترة عشان تحمي أمور معينة تخص العيلة.
أحمد كان مصدوم، لكن جلال فجأة قال:
لا، الموضوع مش كده تمامًا.
كلنا بصينا له، فتح جلال شنطته، وطلع ملف قديم، حطه قدامي وقال:
اللي كانت أمك بتحاول تثبته مش مجرد خلافات عادية.
فتحت الملف بإيدي المرتعشة، وأول ورقة شفتها كانت عقد قديم، وتحت العقد كان فيه توقيع… توقيع أبويا.
رفعت عيني له:
بابا، إيه ده؟
ما ردش. أحمد قرب مني وقرأ الورقة، وفجأة قال:
مريم، دي ورقة ملكية.
ملكية إيه؟
قال:
الشركة كلها.
اتسعت عيني، جلال قال:
قبل وفاة أمك، اكتشفت إن والد أحمد كان ناوي ينقل جزء كبير من الشركة باسمك.
قلت:
باسمي وأنا طفلة؟!
آه، لأن أمك كانت شايفة إنك بعيدة عن كل الصراعات دي.
بصيت لأحمد، وفجأة فهمت ليه اختارني:
يعني إنت اتجوزتني علشان الشركة؟
اتغيرت ملامحه فورًا، مسك إيدي وقال:
لا يا مريم.
أمال ليه؟!
قال:
لأني من أول يوم عرفت إن أبوكي محتاج مساعدة، وأنا كنت عارف إن في ناس تانية لسه بتدور على الورق ده. طلبت أتجوزك عشان أخليكي قريبة مني وتحت حمايتي لحد ما نعرف الحقيقة كاملة.
سحبت إيدي منه:
وكنت فاكر إني هقبل بسهولة؟
ابتسم بحزن:
كنت متوقعتش إن الأمور هتمشي بالسهولة دي، بس أول ما شفتك عرفت إنا لازم نقف قدام أي خطر يهددك.
قبل ما أرد، سمعنا صوت شخص بيقول من آخر القاعة:
خلاص، كفاية كده.
كلنا لفينا، كان واحد من أقارب أحمد واقف عند الباب وماسك هاتفه، وقال:
لو فتحتوا الملف ده، كل حاجة هتخلص، وأنا مش هسمح بده.
أحمد وقف قدامي فورًا، لكن جلال رفع إيده وقال:
متخافوش.
وطلع نسخة تانية من الملف وقال:
لأن المستندات الأصلية اتصورت من سنين واتحفظت في مكان محدش يعرفه غيري.
بصيت له:
فين؟
ابتسم وقال:
في المكان اللي أمك كانت بتعتبره أكتر مكان آمن في الدنيا.
سألته:
فين؟
قال:
بيتك القديم.
وقتها فهمت إن الرحلة الحقيقية لسه ما بدأتش… لأن البيت اللي عشت فيه طفولتي، واللي كنت فاكرة إنه مجرد بيت عادي، كان مخبي سر أمي لمدة 27 سنة، والنهارده بس جه الوقت عشان النور يظهر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




