
أول ما وصلنا بيت أهلي، المكان اللي حسيت فيه بالأمان لأول مرة من أسبوع كامل، تليفوني ما بطلش يرن. معتز كان بيبعت رسايل زي المجنون.. بيتحايل، بيبكي، وبيحلف إن الست دي كانت بتبتزه وإن الموضوع مش زي ما أنا فهمت، بس الكذب كان بقى مكشوف ورخيص. مسكت التليفون ببرود تام، وعملت له بلوك من كل حتة، وقفلت الخط نهائياً.
في الصالة، قعدت على الأرض تحت رجلين تيته غالية. كانت قاعدة بصلابتها الهادية، ماسكة سبحتها وبتسبح ببطء. حطيت راسي على ركبتها، وإيدها العجوزة المليانة تجاعيد مشت على شعري بالحنان كله.
قلت لها بصوت مخنوق بالدموع: “كنتِ عارفة كل ده يا تيته؟ إزاي شفتي اللي محدش فينا قدر يشوفه؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة بحكمة تسعين سنة، وقالتلي بصوت دافي: “القلب النضيف يا هند بيحس بالوساخة قبل ما العين تشوفها.. الواد ده من أول يوم دخل فيه بيتنا وعينه كانت على القرش مش على صاحب البيت، كان بيبص للنعمة بطمع. والست اللي كانت مستخبية في الأوضة، ريحة ظلمها كانت طالعة تغطي على بخوره الزايف.. اللي يبيع الأمانة يا بنتي، ربنا بيفضحه عند أول عتبة.”
ومرت الأيام بسرعة، وبابا ما سابش معتز.. جابلي حقي بالقانون حبة بحبة، الشراكة اتلغت فوراً، والمحامي أخدلي كل حقوقي وطردناه من حياتنا تماماً. معتز خسر كل حاجة: فلوسه، سمعته، والتمويل اللي كان حاطط أمله عليه، وحتى مراته التانية سابته ورقعت فيه قضايا.
أنا اتعلمت الدرس الأكبر في حياتي.. إن المظاهر بتخدع والشكل بيمثل، بس الأرواح الصافية اللي زي تيته هي النور اللي بينورلنا الضلمة لما الدنيا تتلخبط.. ومن اليوم ده، بقيت قبل ما أخطو أي خطوة في حياتي، أروح أعد قدام تيته غالية، وأسمع لقلبها اللي عمره ما كدب.
تمت




